بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الرصاص يسبق صناديق الاقتراع الإسرائيلية

بوابة الوفد الإلكترونية

«فرش الهوى» تبعثر أوراق الانتخابات وتضع «نتنياهو» فى قفص الاتهام

 

هزت عملية إطلاق النار قرب حاجز «فرش الهوى» فى مدينة الخليل جنوب الضفة المحتلة حكومة الاحتلال الإسرائيلى قبل أيام قليلة من الانتخابات الإسرائيلية المقررة فى 27 أكتوبر الجارى، ووضعت تل أبيب أمام اختبار جديد، فى لحظة تتنافس فيها الأحزاب الإسرائيلية على إقناع الناخبين بقدرتها على توفير الأمن واحتواء التهديدات.

واستهدفت العملية موقعًا عسكريا قرب الخليل، وأسفرت وفق تقارير إسرائيلية عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة آخرين، وانتهت باستشهاد منفذَيْها برصاص الاحتلال، ولم تكن العملية مجرد حدث ميدانى عابر؛ إذ أعقبها استنفار عسكرى وإغلاق طرق وفرض قيود على الحركة، وإغلاق فى الضفة المحتلة، فيما دخلت تداعياتها سريعًا فى الحسابات السياسية الإسرائيلية قبيل الاقتراع.

وتكتسب العملية دلالتها من اجتماع ثلاثة عوامل بينها وقوعها فى محافظة تقع تحت منظومة مشددة من السيطرة العسكرية والاستيطانية، وقدرتها على إحداث إصابات فى صفوف جنود الاحتلال، وتزامنها مع انتخابات تتصدر فيها قضايا الأمن والحرب والإخفاقات العسكرية اهتمامات الناخبين.

ودفعت قوات الاحتلال عقب العملية، بتعزيزات إلى محيط الخليل، وفرضت إغلاقات وشرعت فى عمليات تمشيط، وفق تقارير ميدانية، وتعيد هذه الإجراءات طرح معادلة تتكرر فى الضفة، فبعد كل عملية تتجه سلطات الاحتلال إلى تشديد القيود وتوسيع الانتشار العسكرى، وهى إجراءات تفرض واقعًا أمنيًا أكثر صعوبة على الفلسطينيين.

كما أن تزامن الحدث مع الانتخابات يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة؛ إذ قد تسعى إلى إظهار الحزم عبر الإغلاقات والتعزيزات، لكنها تواجه فى الوقت نفسه سؤالًا سياسيًا عن أسباب استمرار وقوع عمليات مقاومة رغم المنظومة العسكرية والأمنية الواسعة التى تديرها فى الضفة.

وتضع عملية الخليل، فى توقيتها ونتائجها المعلنة، الرواية الأمنية الإسرائيلية أمام اختبار جديد، وتذكّر بأن الضفة المحتلة ليست ملفا منفصلا عن الحسابات السياسية الإسرائيلية، بل إحدى ساحات الصراع التى تتداخل فيها الإجراءات العسكرية مع المنافسة الانتخابية.

ومع اقتراب موعد الاقتراع، قد تكون التداعيات الأوضح للعملية فى المرحلة الأولى هى تشديد الإجراءات الميدانية وتصاعد الخطاب الأمنى، فيما يبقى أثرها على اتجاهات الناخبين غير محسوم.

أما دلالتها الأوسع، فتتمثل فى أن التفوق العسكرى واتساع منظومة السيطرة لا يضمنان وحدهما إنهاء المواجهة أو منع وقوع عمليات جديدة.

وبينما تحاول القوى الإسرائيلية تقديم الأمن بوصفه معيارًا للحكم على الحكومة المقبلة، تظل الخليل شاهدًا على فجوة مستمرة بين أدوات السيطرة الإسرائيلية والقدرة على فرض استقرار دائم فى الضفة المحتلة.

ولم يعد السؤال مقتصرا على كيفية وقوع العملية، بل امتد إلى ما تكشفه عن حدود قدرة الاحتلال على فرض معادلة أمنية مستقرة فى الضفة المحتلة.

تأتى العملية قبل أيام من انتخابات الكنيست المقررة فى الثلاثاء المقبل وسط نقاش إسرائيلى محتدم بشأن الإخفاقات الأمنية، وكلفة الحرب، وقدرة الحكومة على حماية الإسرائيليين.

وأشارت قراءة نشرها مجلس الشرق الأوسط للشئون الدولية فى 7 أكتوبر الجارى إلى أن الانتخابات تجرى فى ظل أزمات متشابكة، تشمل الانقسامات داخل معسكر اليمين، والتوتر الأمنى فى الضفة، وتداعيات الحروب على المشهد السياسى الإسرائيلى.

وقد دخلت عملية الخليل هذا السجال بصورة مباشرة؛ إذ أفادت وكالة «أسوشيتد برس» بأن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أمر بإغلاق فورى فى الخليل وبالاستعداد لفرض إغلاق واسع فى الضفة المحتلة، كما ربط العملية بحركة حماس، محذرا من محاولات للتأثير فى الانتخابات. فيما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية إلغاء نتنياهو جولاته الميدانية ومقابلاته المتعلقة بالانتخابات عقب عملية الخليل.

كما دخلت العملية على خط السجال السياسى، إذ استغلتها المعارضة لمهاجمة أداء الحكومة والمنظومة الأمنية، وسط تبادل الاتهامات بشأن الإخفاق فى رصد العملية مسبقًا وغياب الإنذارات الاستخبارية، وعجز الحكومة عن توفير الشعور بالأمن للإسرائيليين، وبرزت فى السجال مواقف شخصيات معارضة، من بينها غازى آيزنكوت، قبيل الانتخابات الإسرائيلية.

 وفى سياق متصل، تصاعد النقاش فى الدوائر السياسية حول احتمالية استغلال أشخاص فى الأحزاب اليمينية والمتطرفة مثل «بن غفير» للعملية لفرض أجندات تتعلق بالضفة المحتلة، أو حتى طرح سيناريوهات مرتبطة بتعطيل أو تأجيل يوم الانتخابات وإرباك المشهد السياسى.

وكشفت هذه المواقف كيف يمكن لعملية ميدانية أن تتحول، خلال فترة انتخابية حساسة، إلى مادة لتبادل الاتهامات وتبرير إجراءات أمنية مشددة، فحكومة الاحتلال مطالبة بإظهار قدرتها على الردع، فيما تسعى القوى السياسية إلى توظيف الملفات الأمنية فى تقييم أداء الحكومة ومساءلتها عن قدرتها على منع الهجمات، ويُوجه ذلك على الشعب الفلسطينى القابع تحت نيران الاحتلال الإسرائيلى.

وتعيش الخليل واحدة من أكثر البيئات الفلسطينية تعقيدا بفعل الانتشار العسكرى الإسرائيلى، والحواجز، والاستيطان، والقيود المفروضة على حركة أصحاب الأرض، ولا سيما فى محيط البلدة القديمة ومناطق التماس مع المستوطنات.