بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

منتدى مصر 2026.. حوار وطنى لا ينتهى بإسدال الستار

مع ختام فعاليات «منتدى مصر 2026»، المقرر اليوم السبت 24 أكتوبر، تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه هذه التجربة الحوارية التى جمعت بين القيادة السياسية والحكومة والخبراء والمتخصصين وممثلى مختلف فئات المجتمع، وشهدت فتح نقاش موسع حول مختلف القضايا والمشكلات والملفات، وعرض ما تحقق من إنجازات، ومناقشة تحديات ومشكلات كل ملف، والاستماع إلى رؤى المواطنين والمتخصصين ومقترحاتهم بشأن المستقبل.

فالمنتدى الذى انعقد تحت شعار «نظرة لليوم.. رؤية للغد»، لم يكن مجرد سلسلة من المؤتمرات والجلسات النقاشية، وإنما يمثل فرصة لمراجعة مسار العمل فى قطاعات الدولة المختلفة، وإتاحة مساحة للحوار المباشر حول القضايا التى تمس حياة المواطنين، بما يعزز المشاركة المجتمعية فى تحديد الأولويات وصياغة الحلول، حيث ضمت الأجندة أكثر من 19 جلسة حوارية، بمشاركة واسعة من مختلف الفئات.

اكتسب المنتدى أهمية خاصة بمشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى افتتاح أعماله، بحضور الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء، ورئيسى مجلسى النواب والشيوخ، والوزراء وكبار رجال الدولة، بما عكس اهتمام القيادة السياسية بأن يكون الحوار حول قضايا الوطن قائمًا على البيانات والمعلومات، وكانت الرسالة الأبرز فى افتتاح المنتدى هى التأكيد على أهمية تقديم البيانات الدقيقة والكاملة، والاستماع إلى مختلف الآراء ومناقشتها، وقبول النقد فى إطار الحوار، كما أكد الرئيس أن الهدف من المنتدى هو استعراض ما تم تنفيذه فى قطاعات الدولة، ومقارنة الأوضاع قبل التطوير وبعده، وإتاحة الفرصة أمام المواطنين لفهم ما تحقق، والظروف والإمكانات التى صاحبت اتخاذ القرارات، وما ينتظر الدولة خلال المرحلة المقبلة.

وتكمن أهمية هذا التوجه فى أن بناء الثقة بين الحكومة والمواطن لا يتحقق بمجرد الإعلان عن المشروعات والإنجازات، وإنما يحتاج أيضًا إلى شرح التحديات، والإجابة عن التساؤلات ومناقشة أوجه القصور، وتوضيح أسباب تأخر بعض الملفات أو عدم تحقيق النتائج المستهدفة، فالمواطن يريد أن يعرف ما الذى تحقق بالفعل، وما الذى لا يزال يحتاج إلى تدخل، ومتى يمكن أن يلمس أثر السياسات الحكومية فى حياته اليومية.

تميزت أجندة المنتدى بتنوع الموضوعات المطروحة وامتدت إلى قضايا بناء الإنسان والتعليم والثقافة والشباب والرياضة والاقتصاد والاستثمار والطاقة والأمن الغذائى والمائى والتنمية الحضرية والعمرانية والحماية الاجتماعية وأمن الوطن والمواطن والتحول الرقمى، وفى ملف التعليم، ناقشت جلسات المنتدى سؤالًا محوريًا يتعلق بما يتعلمه الأبناء ومدى تأهيلهم لمتطلبات المستقبل، بمشاركة رئيس مجلس الوزراء ووزير التربية والتعليم ووزير التعليم العالى وخبراء وممثلين عن المؤسسات التعليمية والطلاب وأولياء الأمور، وطرحت المناقشات قضايا تطوير المناهج وجودة العملية التعليمية، وتأهيل المعلمين والتقييمات، ومدى ارتباط التعليم باحتياجات سوق العمل، بجانب أن التوسع فى البنية الأساسية التعليمية يظل بحاجة إلى استكماله بتحسين جودة المخرجات ورفع كفاءة المعلمين، وتخفيف الأعباء عن الأسر، وتعزيز قدرة الخريجين على المنافسة فى سوق العمل.

كما تناولت جلسات الشباب والرياضة سبل الانتقال من مجرد إتاحة الفرص إلى صناعة التأثير، بينما ناقشت جلسات الثقافة منظومة القيم الاجتماعية ودور الأسرة والمؤسسات فى التعامل مع التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعى، وترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الوعى لدى الأجيال الجديدة، وفى المحور الاقتصادى، برزت ملفات التحول الاقتصادى والاستثمار المنتج وتعزيز تنافسية الصناعة، وتوفير فرص العمل المستدامة، وإدارة الدين وموارد النقد والطاقة، ودمج الاقتصاد غير الرسمى فى الاقتصاد الرسمى، وهى ملفات شديدة الارتباط بأولويات المرحلة الراهنة، فى ظل الحاجة إلى زيادة الإنتاج المحلى وتوسيع القاعدة التصديرية، وجذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

أما جلسة الأمن الغذائى والمائى، التى شارك فيها الرئيس السيسى بحضور رئيس الوزراء ووزراء التموين والموارد المائية والرى والزراعة، إلى جانب مسئولين وخبراء وممثلين عن المجتمع، فقد فتحت النقاش حول تحديات توفير الغذاء والمياه وضمان استدامة الموارد، وشملت الموضوعات المطروحة جهود استصلاح الأراضى، وتطوير البحيرات والثروة السمكية، ورفع كفاءة استخدام الموارد المائية، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة الاحتياجات المتزايدة.

وتكشف هذه الملفات مجتمعة عن أهمية التعامل مع قضايا التنمية باعتبارها منظومة مترابطة، فالتعليم يرتبط بالإنتاجية والتشغيل، والاستثمار يرتبط بخلق فرص العمل، والأمن الغذائى يرتبط بالمياه والزراعة والتصنيع، بينما يتطلب تحسين جودة الحياة تكاملًا بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية.

ولعل من أبرز الجوانب التى تمنح المنتدى قيمة حقيقية، الاعتماد على عرض الأرقام والبيانات عند مناقشة الملفات المختلفة، بما يسمح بتقييم السياسات على أساس النتائج،

فالأرقام تتيح قياس حجم التطور الذى شهدته القطاعات، لكنها فى الوقت نفسه تساعد على تحديد الفجوات التى لا تزال قائمة، والمقارنة بين المستهدف والمتحقق، وتحديد المجالات التى تحتاج إلى مزيد من الاستثمار أو تغيير آليات التنفيذ.

ولذلك، فإن أهمية المنتدى لا تتوقف عند عرض ما أنجزته الدولة خلال السنوات الماضية، وإنما تمتد إلى مناقشة التحديات التى تواجه استكمال مسيرة التنمية، سواء كانت مرتبطة بالموارد المتاحة أو زيادة الاحتياجات السكانية، أو كفاءة الإنفاق أو جودة الخدمات أو سرعة الاستجابة لمطالب المواطنين.

كما أن إتاحة الفرصة أمام الخبراء والمتخصصين وممثلى الفئات المختلفة لطرح المشكلات والمقترحات تمثل عنصرًا مهمًا فى إثراء عملية صنع القرار، فالمواطن الذى يتعامل يوميًا مع مشكلات التعليم أو الصحة أو المواصلات أو الخدمات المحلية يمتلك خبرة واقعية يمكن أن تساعد فى تحديد جوانب الخلل واقتراح حلول عملية لها، لكن المكاشفة الحقيقية لا تكتمل بمجرد عرض المشكلة، بل تحتاج إلى الاعتراف بأوجه القصور وتحديد أسبابها بوضوح، ووضع بدائل قابلة للتطبيق، مع الإعلان عن الجهات المسئولة عن التنفيذ والمدة الزمنية المطلوبة لتحقيق النتائج.

مع ختام المنتدى اليوم السبت، يبدأ الاختبار الأهم: كيف تتحول المناقشات والمقترحات إلى برنامج عمل حكومى واضح؟ وكيف يمكن ضمان ألا تنتهى الأفكار المطروحة بانتهاء الجلسات، أو تظل التوصيات حبيسة التقارير؟، فإن الاستفادة الحقيقية من هذه التجربة تقتضى إعداد حصاد شامل لكل جلسة، يتضمن أبرز المشكلات التى جرى رصدها، والبيانات التى عرضتها الجهات الحكومية، والمقترحات التى طرحها المشاركون، والتوصيات التى حظيت بالتوافق، إلى جانب تحديد الملفات التى تحتاج إلى مزيد من الدراسة.

ويجب أن يتبع ذلك تصنيف التوصيات وفقًا لطبيعتها؛ فهناك إجراءات عاجلة يمكن تنفيذها خلال فترة قصيرة، وقرارات تنظيمية تحتاج إلى تعديل آليات العمل، وملفات تتطلب تشريعات جديدة أو تعديلات قانونية، وأخرى تحتاج إلى تمويل إضافى أو تنسيق بين عدة وزارات وجهات حكومية، ومن الضرورى كذلك وضع جدول زمنى معلن لتنفيذ التوصيات، وتحديد مسئولية كل وزارة أو جهة معنية، وربط كل توصية بمؤشرات أداء واضحة يمكن من خلالها قياس ما تحقق على أرض الواقع، كما ينبغى إعداد تقارير دورية لمتابعة معدلات التنفيذ، وإتاحة المعلومات للرأى العام، بما يضمن استمرار الحوار والمحاسبة المجتمعية بعد انتهاء الفعاليات.

كذلك، من المهم استمرار مشاركة الخبراء وممثلى المجتمع المدنى وأولياء الأمور والشباب والقطاع الخاص فى متابعة الملفات التى تخصهم، حتى لا يقتصر دورهم على تقديم الرؤى، بل يمتد إلى تقييم نتائج التنفيذ واقتراح التحسينات اللازمة، كما تفرض المرحلة المقبلة ضرورة تبنى مجموعة من المسارات العملية لضمان تحقيق أقصى استفادة من المنتدى، وفى مقدمتها: إعلان أبرز التوصيات المتفق عليها، والجهات المسئولة عن تنفيذها، والأطر الزمنية المقترحة، وإنشاء آلية للمتابعة والتقييم تتولى رصد معدلات تنفيذ التوصيات، وإصدار تقارير دورية توضح ما تم إنجازه، وربط الإنجازات بمؤشرات جودة الحياة، وأثرها فى مستوى الخدمات، وتوفير فرص العمل، وجودة التعليم، وتخفيف الأعباء عن المواطنين.

ويجب إعطاء أولوية للمشكلات اليومية من خلال تحديد المطالب الأكثر إلحاحًا فى التعليم والصحة والنقل والإسكان والخدمات المحلية، ووضع حلول واقعية لها وفقًا للأولويات والإمكانات المتاحة، واستمرار الحوار المجتمعى عبر عقد جلسات متابعة دورية، وإتاحة قنوات لتلقى المقترحات والشكاوى، وإشراك الفئات المتأثرة مباشرة بالقرارات فى تقييم نتائجها.

إن نجاح «منتدى مصر 2026» يُقاس بقدرته على إحداث تغيير ملموس فى طريقة إدارة الملفات العامة، وتعزيز التواصل بين الحكومة والمواطن، وتحويل الأفكار والمقترحات إلى سياسات وإجراءات يشعر المواطن بنتائجها، ولقد أتاح المنتدى مساحة لمناقشة الإنجازات والتحديات، والاستماع إلى الخبراء والمواطنين، وطرح الأسئلة حول الحاضر والمستقبل، وتبقى المسئولية الآن فى البناء على ما تحقق من حوار، والاستفادة من الرؤى التى طُرحت، وعدم ترك الملفات التى أثيرت دون متابعة أو تقييم.