قطوف
ظلال النخيل (قصة قصيرة)

ظلال النخيل
خطواته المتسارعة وكأنها تشق الصمت القابع في الوجدان، ونهر الحنين يتدفق كمجرى الدم في العروق، يشم عرق الذكريات في بستان الروح، حين رآها في صحن الدار تتدلى ضفائرها وكأنها جسر لعبور مكان في قلبيهما، وصار الصمت رسائل متبادلة تكتبها النظرات، خلف نظارته السوداء، انعكس بريق عينيها في شغف عليه، تأملا معا تلك النخلات التي تطل بظلالها على فناء الدار، لترسم بسعفها على حوائطها حروفًا تنبض بانعكاس ليل طويل يسرق الأنفاس، وكأنه يكتب قدرهما من جديد.
قطع لهيب الصمت وحديث العيون طائر البجع الذي اقتحم المكان ورفرف بجناحيه مع قيظ الأنين، وكأنه يوشوش الأمل، أومأ إليه حسين وهز رأسه وكأنه فهم الرسالة، بينما ظلت هديل في دهشة تهمس بزفير، وكأنه ينتف ريشه حتى لا يخدش حياء قلب على قارعة الحنين.
لفت نظرات الطائر عيونهما، وكأنها تسكن في أغوار مناطق الإحساس، تستكشف ما تخفيه وراء الغيوم.
تنور الخبيز، كانت أمه تدفئه في قلبيهما برائحة الطين قبل أن تشعله.
وسط هذه الرائحة، جدد ظهور الصغير محمد ابن شقيقته جرحا لم يلتئم وعجز لم يبح به الأطباء، على جمر النار تحتضنه هديل، وكأنها تذوب في عالم البنوة المفقودة، لتدق أجراس الحياة على إيقاع البراءة.
كان حسين يراقب المشهد، وكأنه يرسمه بنبض لم يعرفه من قبل.
على وجنتي هديل رسم دخان تنور الخبيز حلمًا طال انتظاره،
شدت أم حسين من أوصالها حبلا يربط الماضي الحزين بالمستقبل الحالم، أخذت العيش المرحرح الطازج لتلمس هديل بكفيها حرارة الطين حين يكتب المصير المجهول بين عناق الصغير وأمل برائحة رطب النخيل على أرض بور، وكأنها تصرخ في فضاء لا تسكنه الأجنحة المكسورة.
ذلك الصغير محمد لم يقف ما بين ضلوعه، كضيف عابر في قلب هذا المشهد الحزين، قال لهديل عبارة محفورة بسنابل تتمايل حين ترتب عليها نسائم رفرفة أجنحة الطيور، ابتسمت برضا وتحولت عيناها إلى واحة خضراء.
في ليلة اكتمل فيها القمر، وانعكس ضياؤه على نافورة الدار، شق صراخ هديل ظلال الألم على سرير الحرمان، أسرعت أم حسين وطرقت باب الحاجة سعاد الداية، فكانت البشارة بعد عشرين عاما.
كبر الأمل في بطن هديل، حتى قطع شهوره التسعة، وتعانق في تصالح مع الحياة حلم حسين في الترقية في العمل ليصبح سيد قراره.
جاءت صرخات المولود الجديد، لترسم الأمل المفقود على شفاه غابت عنها الحياة، ليتنفس الأبوان رطب النخيل العالي حين تنسج من الظلال نبضا للحياة.