بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خطوط حمراء فى المتوسط

القاهرة تقطع الطريق على العبث بالحدود البحرية

بوابة الوفد الإلكترونية

جاء تصديق مجلس النواب الليبى يوم 20 أكتوبر 2026 على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق السابقة عام 2019، فى وقت تشهد فيه منطقة شرق المتوسط توترات جيوسياسية متصاعدة، ليمثل تطورًا لافتًا يعيد خلط أوراق النفوذ والطاقة والثروات. هذا التحول المفاجئ لم يقف عند حدود التقارب السياسى بين أنقرة وشرق ليبيا، بل أثار ردود فعل مصرية وأوروبية حاسمة، وسط تساؤلات كبرى حول تداعيات هذا التصعيد على الأمن القومى المصرى وقواعد القانون الدولى للبحار. «الوفد» تغوص فى تفاصيل الملف، وتقرأ الأبعاد القانونية والاستراتيجية والسياسية لهذا التطور.

فى تعليقه على هذا التطور، حسم الوزير المفوض السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق، الموقف المصرى برسالة قاطعة وموجزة بالقول: «الرد بسيط.. لا يمكن القبول بالتعدى على المياه الاقتصادية المصرية».

ويعكس هذا التوجيه طبيعة الموقف الرسمى لوزارة الخارجية التى سارعت إلى إعلان أن الاتفاقية وتصديقها «باطلة بطلانًا مطلقًا ومعدومة الأثر القانوني»، مؤكدة أنها لا ترتب أى آثار قانونية على مصر، التى سبق أن أودعت اعتراضًا رسميًا عليها لدى الأمم المتحدة. هذا الرفض الحازم يؤكد أن القاهرة لن تقبل بأى ترتيبات أحادية تمس حقوقها السيادية أو تعرض استقرار الملاحة فى شرق المتوسط للخطر.

من جانبه، قدّم د. محمد عبدالحليم، خبير القانون الدولي، قراءة تحليلية معمقة لجريدة «الوفد» حول هذا التطور، مشيرًا إلى أن خطوة مجلس النواب الليبى تكشف عن تداخل المصالح الإقليمية، ولا يمكن اختزالها فى مواجهة ثنائية بحتة، موضحاً عدة نقاط جوهرى منها أن جوهر الخلاف لا يتعلق بحق الدول فى التعاون الثنائي، بل بمدى توافق الترتيبات مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، ومراعاة الظروف الجغرافية ذات الصلة، وحقوق الدول الثالثة (مثل جزيرة كريت اليونانية).

أكد خبير القانون الدولى أن تصديق مجلس النواب الليبى فى شرق ليبيا على هذه المذكرة يمثل تطورًا مهمًا فى ملف شرق المتوسط، مشيرًا إلى أن هذا الحدث لا تتعلق أبعاده فقط بالترسيم البحري، بل يكشف عن تحولات فى الحسابات السياسية داخل ليبيا وتداخل المصالح الإقليمية المرتبطة بالطاقة والنفوذ والأمن البحري، مما يقتضى قراءته بمنظور شامل يجمع بين الأبعاد القانونية والاستراتيجية والسياسية، دون اختزاله فى مواجهة مباشرة بين مصر وتركيا.

صرح «عبد الحليم» لـ«الوفد» بأن جوهر الخلاف لا يتعلق بحق تركيا وليبيا فى التعاون الثنائي، وإنما بمدى توافق الترتيبات الواردة فى المذكرة مع قواعد القانون الدولى للبحار، ومدى تأثيرها فى الحقوق السيادية للدول الأخرى. فالمذكرة ترسم حدودًا بحرية وفق إحداثيات محددة أثارت اعتراضات مصر واليونان ودول أخرى لتجاهلها حقوقاً مرتبطة بالسواحل والجزر مثل جزيرة كريت اليونانية.

وعلى المستوى الاستراتيجي، قال خبير القانون الدولي: «لا يمكن فصل هذا الخلاف عن التنافس على النفوذ ومصادر الطاقة فى شرق المتوسط. التحرك المصري، سواء باتفاقية ترسيم الحدود مع اليونان عام 2020 أو بإيداع الاعتراضات رسمياً لدى الأمم المتحدة، يستهدف حماية الحقوق السيادية والمصالح الاقتصادية، ومنع نشوء ترتيبات أحادية تصعب معالجتها لاحقاً، مع التأكيد على أن لكل ترتيب نطاقه القانونى والجغرافى المستقل».

وفيما يخص الدلالات السياسية للخطوة الليبية، أشار «عبد الحليم» إلى أن تصديق مجلس النواب الليبى يمثل تحولًا لافتًا فى موقف المؤسسة التشريعية فى شرق ليبيا وإلغاء قرارات مقاطعة تركيا لعام 2020، مما يعكس رغبة أطراف ليبية فى إعادة موازنة علاقاتها الإقليمية. ورغم أن هذا التحول يمثل تحديًا دبلوماسيًا، إلا أن المصلحة المصرية تقتضى الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف الليبية، مع الفصل التام بين إدارة العلاقات السياسية وبين التمسك بالحقوق البحرية.

وأكد د. محمد عبد الحليم أن الموقف المصرى الحازم ضروري، لكن فاعليته تتوقف على الجمع بين مسارين؛ الأول هو حماية الحقوق البحرية بالاستناد للحجج القانونية والآليات الدبلوماسية، والثانى هو إدارة الخلاف ضمن إطار إقليمى أوسع يحافظ على الاستقرار. فالجغرافيا البحرية لا تتغير بالقرارات السياسية وحدها، والاتفاق بين دولتين لا يمنحهما حق الانتقاص من حقوق دولة ثالثة.

وأشار أن موقف الاتحاد الأوروبى فى 21 أكتوبر 2026 جاء ليدعم الموقف المصري، مؤكدًا أن المذكرة تمس الحقوق السيادية لدول ثالثة ولا تتوافق مع قانون البحار، وهو ما ترفضه اليونان بشكل قاطع.