خبير استراتيجي: تحصين الوعي ومواجهة الشائعات خط الدفاع الأول لحماية الأمن القومي
في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا الرقمية واتساع نطاق استخدام منصات التواصل الاجتماعي، أصبحت معركة الوعي إحدى الجبهات المهمة التي تتطلب اهتمامًا متواصلًا، في ضوء ما تتيحه البيئة الرقمية من سرعة تداول المعلومات والأخبار، وما يصاحب ذلك أحيانًا من انتشار الشائعات والمعلومات المضللة والمحتويات مجهولة المصدر.
ولم تعد التحديات التي تواجه الدول مقتصرة على صور المواجهة التقليدية، بل امتدت لتشمل محاولات التأثير على أفكار المواطنين واتجاهاتهم، وإثارة الشكوك، وزعزعة الثقة، واستغلال الأزمات والأحداث المختلفة لنشر الإحباط وإحداث حالة من الارتباك داخل المجتمعات.
وتفرض هذه التطورات أهمية بناء وعي مجتمعي قادر على التعامل مع المعلومات بصورة نقدية، والتمييز بين الحقائق والأخبار غير الموثوقة، وعدم الانسياق وراء المحتوى المتداول دون التحقق من مصادره.
كما تبرز الحاجة إلى تطوير أدوات التوعية والتثقيف، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في نشر المعرفة وتقديم المعلومات الدقيقة، بما يسهم في حماية المواطنين من التضليل، ويعزز قدرتهم على فهم التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور أحمد يحيى، الخبير الاستراتيجي، أن تحصين البناء الفكري للمواطنين يمثل خط الدفاع الرئيسي لحماية المقدرات الوطنية، مشيرًا إلى أن أساليب استهداف الدول تطورت بصورة ملحوظة، وأصبحت تعتمد على توظيف الأدوات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي لإثارة الشكوك ومحاولة التأثير على الرأي العام، بما قد ينعكس على تماسك النسيج المجتمعي واستقرار الدول.
وأوضح يحيى أن مواجهة هذه التحديات تتطلب بناء مناعة فكرية لدى الأفراد، تقوم على المعرفة والقدرة على التحليل والتحقق من المعلومات، إلى جانب توفير الحقائق الدقيقة بصورة مستمرة، بما يساعد المواطنين على تكوين مواقفهم استنادًا إلى معلومات موثوقة، بعيدًا عن التأثر بالشائعات أو المحتويات التي تستهدف إثارة القلق والبلبلة.
المناعة الفكرية ضرورة لمواجهة حروب المعلومات
وأشار الخبير الاستراتيجي إلى أن الحملات المضللة التي تنشط عبر الفضاء الإلكتروني تستدعي تبني رؤية متكاملة لبناء الوعي، لا تقتصر على الرد على الشائعات بعد انتشارها، وإنما تمتد إلى تنمية قدرة المواطنين على اكتشاف المعلومات غير الدقيقة والتعامل معها بوعي ومسؤولية.
وأضاف أن المناعة الفكرية تبدأ من امتلاك الفرد أدوات التحقق من الأخبار، وفهم السياق الذي تُطرح فيه المعلومات، والتمييز بين المصادر الرسمية والمصادر مجهولة الهوية، فضلًا عن إدراك أن سرعة انتشار المحتوى أو كثرة تداوله لا تعني بالضرورة صحته.
ولفت إلى أن التطور التكنولوجي أتاح فرصًا واسعة للوصول إلى المعرفة وتبادل المعلومات، لكنه في الوقت نفسه أوجد تحديات تتعلق بإمكانية توظيف الأدوات الرقمية في نشر محتوى مضلل أو اجتزاء الوقائع من سياقها، وهو ما يستلزم تعزيز الوعي الرقمي لدى مختلف فئات المجتمع، خاصة الشباب.
وأكد أن بناء الوعي لا يتحقق من خلال التحذير من الشائعات فقط، بل يحتاج إلى تقديم معلومات واضحة ومبسطة، وفتح قنوات فعالة للتواصل مع المواطنين، وتطوير أساليب التوعية بما يتناسب مع طبيعة المنصات الرقمية وسرعة التغير في أنماط تداول المعلومات.
كلمة الرئيس في الندوة التثقيفية تؤكد أهمية الوعي
وأضاف يحيى أن التوجيهات التي تضمنتها كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة سلطت الضوء على أهمية الانتباه إلى أساليب الحروب النفسية ومحاولات التزييف والتضليل، وما تفرضه من ضرورة تعزيز قدرة المجتمع على التعامل الواعي مع التطورات والأحداث.
وأوضح أن التحذير من الانسياق وراء المحتويات مجهولة المصدر يعكس أهمية التحقق من المعلومات قبل تداولها، وعدم التعامل مع كل ما يُنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي باعتباره حقيقة مؤكدة، خاصة في أوقات الأزمات التي تزداد خلالها سرعة انتشار الأخبار والتفسيرات المتباينة.
وأشار إلى أن التعامل الفعال مع الشائعات يتطلب سرعة إتاحة المعلومات الموثوقة، وتوضيح الحقائق للرأي العام، والرد على التساؤلات التي تشغل المواطنين، بما يقلل فرص استغلال نقص المعلومات أو غموضها في نشر روايات غير دقيقة.
وأكد أن التدفق المنتظم للمعلومات الصحيحة، عندما يكون واضحًا ومتسقًا مع الحقائق، يساعد على الحد من انتشار التضليل، ويمنح المواطنين القدرة على تقييم الأحداث بصورة أكثر موضوعية، بدلًا من الاعتماد على مصادر غير معروفة أو محتويات تستهدف إثارة الانفعالات دون تقديم أدلة موثوقة.
الشباب والتفكير النقدي في مواجهة التضليل الرقمي
وشدد الخبير الاستراتيجي على أن نشر المعرفة وتنمية مهارات التفكير النقدي لدى الشباب يمثلان أحد أهم محاور بناء الوعي المجتمعي، في ظل اتساع استخدام المنصات الرقمية واعتماد قطاعات واسعة من الشباب عليها في متابعة الأخبار والحصول على المعلومات.
وأوضح أن تنمية التفكير النقدي تساعد الأفراد على طرح الأسئلة المناسبة بشأن مصادر المعلومات، وفحص الأدلة، ومقارنة الروايات المختلفة، وعدم التسرع في تبني المواقف أو إعادة نشر المحتوى قبل التأكد من صحته.
وأضاف أن المؤسسات المعنية بالتعليم والثقافة والإعلام مطالبة بتطوير برامج التوعية بما يواكب التحولات التكنولوجية، من خلال نشر ثقافة التحقق من المعلومات، وتعريف الشباب بأساليب التضليل الرقمي، وتعزيز قدرتهم على التمييز بين المحتوى الإخباري والمحتوى الذي يستهدف التأثير على مشاعرهم أو توجيه آرائهم.
وأشار إلى أن الاستثمار في الوعي الرقمي لم يعد أمرًا ثانويًا، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة البيئة الإعلامية الحديثة، التي تتسم بسرعة انتشار المعلومات وتعدد مصادرها، وما يرتبط بذلك من تحديات تتطلب إعداد أجيال قادرة على التعامل مع التكنولوجيا بصورة مسؤولة وآمنة.
تكامل المؤسسات ضرورة لحماية الوعي العام
وفيما يتعلق بآليات مواجهة الشائعات، أكد يحيى أن المسؤولية لا تقع على مؤسسة واحدة، وإنما تتطلب تكاملًا بين المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، إلى جانب الجهات المعنية بتوفير المعلومات والتواصل مع الجمهور.
وأوضح أن المؤسسات التعليمية يمكن أن تسهم في تنمية مهارات التفكير والتحليل لدى الطلاب، بينما يؤدي الإعلام دورًا مهمًا في التحقق من الأخبار وتقديم المعلومات الدقيقة وشرح خلفيات الأحداث، في حين تسهم المؤسسات الثقافية في نشر المعرفة وتعزيز قيم الحوار وقبول الاختلاف.
وأضاف أن توفير المعلومات من مصادر واضحة وموثوقة يمثل عنصرًا أساسيًا في مواجهة التضليل، لأن التواصل المستمر مع المواطنين يساعد على توضيح الحقائق والحد من المساحات التي قد تنتشر فيها الشائعات أو التفسيرات غير الدقيقة.
وشدد على أهمية تطوير الخطاب التوعوي ليكون أكثر قربًا من المواطنين، وأكثر قدرة على مخاطبة احتياجاتهم وتساؤلاتهم، مع الاستفادة من الوسائط الرقمية الحديثة في تقديم المعلومات بأساليب مبسطة وجذابة، دون الإخلال بالدقة والمصداقية.
الاستثمار في بناء الإنسان ركيزة لحماية مقدرات الوطن
وأكد الخبير الاستراتيجي أن الحفاظ على مكتسبات الوطن واستمرار مسيرة البناء يرتبطان بقدرة المجتمع على فهم التحديات والتعامل معها بوعي ومسؤولية، مشيرًا إلى أن بناء الإنسان يمثل استثمارًا طويل الأجل في استقرار الدولة وتقدمها.
وأوضح أن توسيع مدارك المواطنين وتعزيز قدراتهم الفكرية والمعرفية يساعدان على تكوين رأي عام أكثر وعيًا، قادر على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمضللة، والمشاركة في النقاشات العامة على أساس من المعرفة والحقائق.
وأضاف أن مواكبة التطور التكنولوجي تتطلب تطوير أدوات التوعية باستمرار، وتوظيف التقنيات الحديثة في نشر المعرفة، وتعزيز مهارات التحقق والتحليل، بما يجعل المواطن شريكًا فاعلًا في مواجهة الشائعات والحد من آثارها.