هوامش
بين التراجيديا والكوميديا.. عداد سليم ومواطن يدفع الثمن!
إلى متى سيظل المواطن المصرى هو الحلقة الأضعف، والجيب الذى تمتد إليه الأيدى كلما أرادت الحكومة تمويل قرار جديد؟
لم يكتفِ وزير الكهرباء برفع شرائح الاستهلاك، ولا بالفواتير التى أثقلت كاهل المواطنين وأربكت ميزانيات الأسر، حتى خرج علينا بملف جديد يتعلق بتغيير العدادات التى مضى على تركيبها عشر سنوات، مع تحميل المواطنين تكلفة الاستبدال، حتى لو كانت العدادات تعمل بصورة طبيعية، على أن يتحملوا المبلغ بالتقسيط!
أى مهزلة هذه؟ وأى منطق يبرر أن يدفع المواطن ثمن تغيير عداد لم يثبت تعطله، ولم يطلب استبداله، ولا يعلم ما إذا كان يحتاج أصلًا إلى التغيير؟
يبدو أن المواطن لم يعد مطالبًا فقط بدفع فاتورة الكهرباء، بل أصبح مطالبًا أيضًا بدفع ثمن العداد الذى يقيس استهلاكه! ترتفع الأسعار فيدفع، وتزداد الفواتير فيدفع، ويأتى قرار جديد بتغيير العداد فيدفع مرة أخرى، وإذا عجز عن السداد، فالتقسيط جاهز ليحول العبء الجديد إلى التزام شهرى يطارده طويلًا.
السؤال الذى يجب أن يجيب عنه وزير الكهرباء بوضوح: هل مرور عشر سنوات على تركيب العداد يعنى بالضرورة أنه أصبح تالفًا أو غير صالح للاستخدام؟ وإذا كان العداد يعمل بصورة طبيعية ويؤدى وظيفته، فما المبرر لإجبار صاحبه على تحمل تكلفة استبداله؟
إن كان هناك عيب فنى، فلتعلن الوزارة عنه. وإن كان العداد لا يسجل الاستهلاك بدقة، فلتقدم الدليل الفنى. أما أن يصبح مرور الزمن وحده سببًا لتحميل المواطن فاتورة جديدة، فذلك يفتح الباب أمام تساؤلات لا يمكن تجاهلها بشأن عدالة القرار وأساسه الفنى والقانونى.
ليس من حق أى جهة أن تتعامل مع جيوب المواطنين باعتبارها مصدرًا مفتوحًا للأموال، وليس من المقبول أن يُطلب من المواطن دفع تكلفة لمجرد أن الوزارة قررت تغيير جهاز لا يزال يؤدى وظيفته، دون توضيح كافٍ لضرورة الاستبدال ومسئوليته المالية.
ومن المثير للاستغراب أن يُقدم التقسيط باعتباره وسيلة لتخفيف العبء عن المواطن، وكأن تقسيم المبلغ على عدة أشهر يجعل التكلفة أقل!
الحقيقة أن المواطن الذى يعانى من ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والمواصلات وفواتير الخدمات، لا يحتاج إلى مزيد من الأقساط التى تستنزف دخله، بل يحتاج إلى قرارات تخفف عنه الأعباء، لا أن تضيف إليها التزامات جديدة.
وزارة الكهرباء مسئولة عن إدارة مرفق حيوى، ومن واجبها أن تشرح للمواطنين خطط التحديث، وأن توضح تكاليفها ومبرراتها، وأن تفرق بين العداد الذى ثبت فنيًا وجوب تغييره والعداد الذى يعمل بصورة طبيعية.
أما تحويل كل خطوة تطوير إلى فاتورة جديدة يدفعها المواطن، فهو نهج يستوجب المراجعة والمساءلة العامة، لا سيما فى ظل الضغوط المعيشية التى تجعل أى مبلغ إضافى عبئًا حقيقيًا على الأسرة.
وإذا كانت الوزارة ترى أن الاستبدال ضرورة فنية عامة، فعليها أن توضح لماذا يتحمل المشترك التكلفة، وما السند القانونى لذلك، وما الضمانات التى تحميه من دفع مبالغ لا تستند إلى احتياج فنى مثبت.
لقد أصبح المواطن يشعر بأن كل أزمة لها فاتورة، وكل تحديث له تكلفة، وكل قرار جديد ينتهى عند جيبه. وإذا كان الهدف هو تحسين الخدمة، فإن تحسينها يجب ألا يتحول إلى ذريعة لإضافة أعباء متلاحقة على أصحاب الدخول المحدودة.
المطلوب مراجعة قرار تحميل المواطنين تكلفة تغيير العدادات التى لا تزال تعمل بكفاءة، وعدم فرض الاستبدال على أساس العمر الزمنى وحده دون بيان مبرراته الفنية والقانونية، مع إعلان التكلفة الحقيقية وضمان حق المواطن فى الفحص والاعتراض.
فليس من المقبول أن يُطلب من المواطن أن يدفع ثمن كل شىء، ثم يُقال له إن التقسيط هو الحل. وليس من العدالة أن يصبح المواطن مسئولًا عن تمويل التطوير، بينما لا يجد إجابات واضحة عن سبب التكلفة التى فُرضت عليه.
يا وزير الكهرباء، المواطن ليس خصمًا للوزارة، وليس ماكينة أموال تُحصّل منها تكلفة كل قرار. إنه إنسان له دخل محدود والتزامات لا تتوقف، ومن حقه أن يجد فى مؤسسات الدولة من يراعى ظروفه، لا من يزيد أعباءه دون تفسير كافٍ.
قبل أن تطالبوا المواطن بثمن عداد جديد، أقنعوه أولًا لماذا يجب تغيير عداد يعمل بالفعل. وقبل أن تفرضوا عليه قسطًا جديدًا، قدموا له الدليل على أن هذا العبء ضرورة حقيقية، وليس مجرد تكلفة إضافية أُلقيت على كاهله.
فإلى متى يظل المواطن مطالبًا بالدفع فى كل مرة، دون أن تكون قدرته على الاحتمال جزءًا من حسابات أصحاب القرار؟