تأملات
سبل التعامل مع الحوثيين
إذا اتفقنا أن أزمة اليمن الحالية والتى بدأت فصولها منذ نحو 12 عامًا ليست سوى نوع من الصراع بالوكالة تمثل إيران أحد أطرافه الأساسية أمكن لنا استيعاب الكثير من جوانب الأزمة، بل والعمل على حلها. وإذا اتفقنا على أن التصعيد الأخير والذى بدأ منذ أغسطس الماضى بسعى الحوثيين لتوسيع نطاق سيطرتهم لتشمل التحكم فى الحركة عبر باب المندب ليس سوى مظهر جديد لساعد ذلك فى استيعاب ما يجرى وآفاق إنهاء الأزمة. وكما قلنا فى مقال سابق، فإن مسعى مد نفوذ الحوثيين لباب المندب لم يكن ينفصل بأى حال من الأحوال عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والتى سعت معها الأخيرة للعب بمختلف الأوراق التى تملكها، وعلى رأسها وقف حركة الملاحة فى مضيق هرمز، ثم العمل على مد ذلك التحكم لباب المندب. وعلى ذلك فربما يتطلب ذلك فى ضوء التطورات التى تشهدها المنطقة اقترابًا مختلفًا يراعى طبيعة الصراع والأطراف المنخرطة فيه حتى الآن وأبعاده الإقليمية والدولية.
صحيح أن هناك أطرافًا عديدة فى المنطقة قد أضيرت دون أن يكون لها فى الأزمة ناقة ولا جمل، مثل مصر التى تأثرت حركة الملاحة عبر قناة السويس بسبب رذاذ هذه الأزمة فى مفهومها الأعم، إلا أن ما آل اليه الموقف يدعو لإعادة التفكير فى السبل الأفضل للتعامل مع الموقف.
جزء من جذور الوضع الحالى يعود، كما أشرنا، الى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بدعوى منعها من امتلاك سلاح نووى. ومن المثير للدهشة أن الوضع تطور الى خروج إسرائيل من المواجهة بعد أن تكبدت خسائر ربما لم تواجهها منذ نشأتها بفعل العمليات التى نالت عمق أراضيها بعيدًا عن تأثير الحرب المدمر على إيران بالطبع فذلك أمر آخر. وتطورت العمليات لتبدو وكأنها مواجهة أمريكية إيرانية، لم تنجح فيها واشنطن فى كسر إرادة طهران رغم لجوء الولايات المتحدة إلى استخدام كل ما تمتلكه من ترسانة حربية لتحقيق أهدافها. ربما عزز من موقف إيران لجوئها الى استخدام ورقة الحوثيين والتأثير على الملاحة الدولية، وهو أمر وقفت الولايات المتحدة أمامه ساكنة وهو موقف يثير التساؤلات وربما يدعو البعض للإشارة الى أن ذلك يأتى على خلفية عدم نجاحها فى كسر شوكة الحوثيين خلال العمليات التى قامت بها ضدهم فترة الحرب على غزة.
فى ضوء هذا الموقف، والذى يشبه انسحابًا أمريكيًا من المواجهة تكاد المواجهة فى اليمن تتحول الى حرب عربية عربية بين الحوثيين وتحالف دعم الشرعية الذى تقوده السعودية ما جدد صراعًا نجحت الأمم المتحدة فى تهدئته عبر الهدنة التى رعتها فى أبريل 2022 بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين. ويعزز الطرح الذى نشير اليه هنا بشأن الانسحاب الأمريكى تخاذل إدارة ترامب عن التدخل لمساندة السعودية فى مواجهة هجمات الحوثيين رغم ترتيبات الدفاع المشترك ورغم أن واشنطن لا تتردد فى مختلف الحالات عن التدخل العسكرى دعمًا لحليفتها إسرائيل كما جرى ضد الحوثيين فى ازمة غزة وضد إيران فيما بعد.
الخلاصة أن الرؤية الأشمل لما يجرى فى اليمن ربما يستدعى وقفة هادئة مع النفس، تجنبنا اتساع نطاق الصراع ليصبح عربيًا إسلاميًا ضحاياه الدماء العربية بعد أن انسحب من تسبب فى النزاع وتأجيج الخلافات القديمة، وهما فى هذه الحالة الولايات المتحدة وإسرائيل. وربما يعبر عما نشير إليه أفضل تعبير دعوة شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، لـتشكيل لجنة وساطة بين المتحاربين لاحتواء الصراعات المشتعلة فى المنطقة، الأمر الذى يعتبر فى تصورى على رأس جهود الدبلوماسية المصرية رغم كل المساعى لدعم السعودية فى مواجهة الاعتداءات التى تتعرض لها.