بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

شامخ الشندويلي يكتب : قراءة في المضمون الوجودي والجمالي عند كمال الحمراني

بوابة الوفد الإلكترونية

يأخذنا الشاعر الكبير كمال الحُمراني في قصائده ورباعياته إلى مساحات دافئة وحزينة في آن واحد، حيث يبرز كأحد الأصوات التي تصيغ أشعارها العامية بوعي فلسفي وبساطة ساحرة، وقدرة فائقة على تحويل القضايا الوجودية المعقدة مثل الفناء والعبث والبحث عن الخلاص، إلى لغة يومية قريبة من وجدان الرجل البسيط في الشارع. ويغوص في تفاصيل الألم الإنساني المشترك مستخدماً مفردات رشيقة وإيقاعاً يلامس شغاف القلوب مباشرة.من خلال نبرة صوفية باحثة عن الطهر، وواقعية اجتماعية ترصد تشوهات العلاقات الإنسانية. وتتجلى ميزة الحمرانى الكبرى في استلهام روح الصياغة الشعبية والتأملية، حيث تنتهي أشعاره دائماً بضربة شعرية مكثفة لكى تترك القارئ في حالة من التفكير والدهشة.

يقول فى قصيدة عالم تراب :

عالم تراب والكون عدم.

امتي ابن ادم بس هايحس بندم 

ويسيب طريق المعصية.

يسلك طريق الحق يمشي في الصواب.

عالم تراب.

زعق الغراب فوق الشجر.

البين حضر جاي بالهموم.

يزرعها مابين البشر.

تطرح وجع ساكن قلوب الخلق بيزيد كل يوم

صبحت آهااات الخلق بتشق الضلوع.

وش القمر رفض الظهور علي مسرح الدنيا الضحوك.

مالها قلوب الخلق صبحت فحم كوك 

والناس في سيرة بعضها بلسان تلوك 

والشر ما بينا انتشر.

والعدل غاب

عالم تراب.

وهكذا يفتتح قصيدته بصرخة واضحة تعيد تعريف الوجود بوصفه مجرد غبار عابر، حيث يسيطر (التراب ، والعدم) كإطارين كليين للقصيدة. ويبدأ بمحاكمة أخلاقية وروحية لابن آدم داعياً إياه للعودة والندم، لينتقل بعد ذلك ببراعة من التعميم الفلسفي إلى رصد تفاصيل الواقع اليومي المحزن.ويستخدم رموزاً تقليدية في الوجدان الشعبي مثل "الغراب" و"البين" ليجسد حالة الشؤم والوجع المتنامي، غير أنه يمنح هذه الرموز بعداً حركياً مدهشاً حين تجعل الهموم "تطرح وجعاً" ينمو في القلوب. وتصل القصيدة إلى ذروتها التصويرية عند تشبيه قلوب البشر بفحم الكوك، وهو تشبيه قوى يختزل القسوة والاحتراق والتحول من الطهر إلى التلوث المادي والمعنوي. لتنتهي القصيدة بالعودة إلى وصف الناس بكونهم عالم تراب ليؤكد على دائرية العبث الإنساني وغياب العدالة في واقع تآكلت فيه المبادئ.

ويقول فى إحدى رباعياته :

طفوا شـموع الفرح والليل ضلام حالك

يامصدقة الكدب مين بالكدب أوحى لك

تلاتين سنه عقدتك مالقيت لها حلال

قضيتها ترحال وجيت اغرق في اوحالك

ونجده هنا يتسم بنبرة عتاب حزينة ومباشرة. حيث يبدأ بحدث صادم وصورة قاتمة تتمثل في إطفاء شموع الفرح ليعم الظلام الحالك، وهو تمهيد رمزي لنهاية الأمل وانكشاف الخديعة.وببراعة يتلاعب باللفظ والجناس غير المتكلف بين كلمتي "ترحال" و"أوحال"، فيختصر رحلة عمر كاملة "ثلاثين سنة" في سطرين. فيظهر الاغتراب في أقسى صوره، فالترحال الذي كان يُفترض أن يكون بحثاً عن الخلاص والحلول للعقد المستعصية، ينتهي بالسقوط والغرق في الوحل ليعبر من خلال الحالة الشخصية عن حالة عامة . تتجلى فيها صدمة الوعي بالخسارة ومواجهة الحقيقة المرة بعد سنوات من الجري وراء سراب الوعود الكاذبة.

ويقول فى رباعية أخرى :

بختك ياطير السما لا فكر ولاحيرة

لفيت بلاد الله ما أخدت تأشيرة

أما ابن أدم هنا بين الحياة والعدم

ينداس عليه بالقدم واسمه بتباشيرة.....

عجبي

فيقارن بمرارة وسخرية سوداء بين حالتين من الوجود: حرية الطبيعة وقيود الحضارة الإنسانية. يقف الطير هنا كرمز للتحرر الكامل والإنعتاق من أعباء التفكير والحدود الجغرافية التي تصنعها السياسة وتجسدها "التأشيرة"، ليصبح الطير كائناً كونياً بامتياز يعيش بلا قلق أو حيرة.في المقابل، يرسم الشاعر صورة مأساوية ومهينة للإنسان المعاصر الذي يقبع حائراً بين الحياة والعدم، معلقاً في المنتصف دون جدوى، بل ومسحوقاً تحت الأقدام. وتأتي النهاية مدهشة وموجعة باستخدام كلمة تباشيرة (طباشيرة)، وهي استعارة تدل على سهولة مسح اسم الإنسان ووجوده كأنه لم يكن، وكأنه مجرد خط باهت على سبورة الحياة. 

الخلاصة أن الشاعر كمال الحمراني صوت مخلص لروح شعر العامية المصرية الأصيل، وامتداد حقيقى لمدارس رواده الكبار الذين زاوجوا بين بساطة التعبير وعمق الفكرة. وتكمن قوته الإبداعية في التقاط التفاصيل العابرة وصياغتها في إيقاعات موسيقية رشيقة تلائم ذائقة المتلقي البسيط، دون أن تفقد جزالتها الفنية أو قيمتها الفلسفية. إنه شاعر يسخر من قيود الواقع بمرارة، ويبكي على العمر المتبدد بوعي، ليترك في نهاية كل رباعية أو قصيدة علامة استفهام تدفع القارئ للتأمل في جوهر وجوده ومصيره الإنساني. إنه شاعر يقف بوعي حاد أمام قبح العالم وانكسارات الإنسان فيه، ليترك خلفه في كل مقطع صرخة احتجاج صامتة وعلامة استفهام كبرى تدفعنا للتأمل في جوهر وجودنا ومصيرنا المشترك وسط هذا الصخب والتراب.كمال الحمرانى يستحق أن يكون فى مكان أفضل فى ترتيب شعراء العامية المصرية عبر التاريخ.