بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

لماذا تؤثر اضطرابات إمدادات الطاقة في برنت أكثر من أنواع النفط الأخرى؟

بوابة الوفد الإلكترونية

لا تنتقل صدمات الإمدادات إلى جميع مؤشرات النفط المرجعية بطريقة متطابقة كما قد يبدو للوهلة الأولى. فاندلاع صراع في الشرق الأوسط، أو فرض عقوبات على منتج رئيسي، أو توقف جزء من إنتاج بحر الشمال، أو تعطل ممر ملاحي مهم قد يدفع خام برنت إلى الارتفاع بقوة، بينما يكون رد فعل أنواع النفط الأخرى أكثر محدودية. وفي ظروف مختلفة، قد يحدث العكس.
ولا يرجع ذلك إلى أن أحد النفوط أكثر أهمية من الآخر بالضرورة، بل إلى أن كل مؤشر يعكس سوقًا مختلفة قليلًا من حيث مصدر الإنتاج، وطريقة النقل، والجهة التي تشتريها، والقيود التي تتحكم في الوصول إلى المستهلك النهائي.
ولهذا، فإن متابعة برنت إلى جانب مؤشرات أخرى لا تخبر المستثمر فقط بما يحدث لسعر النفط، بل تساعده أيضًا على تحديد نوع الصدمة التي يواجهها السوق. فإذا ارتفع برنت بصورة أقوى، فقد يكون الضغط مرتبطًا بصورة أكبر بتوافر البراميل الدولية المنقولة بحرًا. أما إذا تركزت الحركة في مؤشر إقليمي، فقد تكون المشكلة محلية أكثر منها أزمة في الإمدادات العالمية.
ماذا يمثل خام برنت فعليًا؟
نشأ برنت في الأصل باعتباره معيارًا لتسعير خامات منتجة في بحر الشمال. لكن المؤشر الذي يعرفه المستثمرون اليوم لم يعد يعتمد على حقل نفطي واحد أو حتى على خام برنت الأصلي وحده. فمنظومة التسعير الحديثة أصبحت أوسع، وتضم مجموعة من الخامات التي تساعد مجتمعة على تحديد قيمة النفط المتاح للسوق الدولية.
يعد Platts Dated Brent أحد أهم المراجع المادية التي تستند إليها منظومة برنت الأوسع. ويشمل عددًا من خامات بحر الشمال، من بينها Brent/Ninian Blend وForties وOseberg وEkofisk وTroll. كما دخل خام WTI Midland القادم من ساحل الخليج الأمريكي إلى هيكل التسعير في عام 2023.
لكن فهم سعر برنت اليوم لا يتوقف عند معرفة أسماء هذه الخامات أو أماكن إنتاجها. الأهم هو أن البراميل التي تدخل في هذه المنظومة تنتمي إلى سوق يمكن فيها نقل النفط بحرًا وإعادة توجيهه بين مناطق مختلفة وفق الأسعار والطلب وتكاليف الشحن.
فإذا احتاجت مصفاة أوروبية إلى خام إضافي، قد لا يكون البديل الوحيد براميل النفط من بحر الشمال. فمن الممكن، بحسب الجودة والسعر وتكاليف النقل، أن تنافسه شحنة قادمة من الولايات المتحدة أو غرب أفريقيا أو الشرق الأوسط أو أي منطقة أخرى لديها خام قابل للتصدير بحرًا.
لماذا يمكن لاضطراب في الشرق الأوسط أن يحرك برنت؟
ليس من الضروري أن تتوقف منصة إنتاج في بحر الشمال حتى يتأثر سعر برنت. فالترابط بين مناطق الاستيراد والتصدير يعني أن فقدان الإمدادات في مكان بعيد جغرافيًا قد يغير المنافسة على خامات برنت نفسها.
لنفترض، على سبيل المثال، أن صادرات الشرق الأوسط انخفضت بصورة ملحوظة. المصافي الآسيوية التي كانت تعتمد على تلك البراميل قد تبدأ في البحث عن خامات بديلة من غرب أفريقيا أو مناطق أخرى.
لكن البراميل المتجهة إلى آسيا لا تظهر من فراغ. فإذا جذبت الأسعار المرتفعة مزيدًا من الخام الغرب أفريقي نحو المشترين الآسيويين، فقد تصبح كميات أقل منه متاحة للمصافي الأوروبية. وعندها قد تضطر أوروبا إلى زيادة مشترياتها من خامات بحر الشمال أو من الصادرات الأمريكية، لترتفع المنافسة على البراميل نفسها التي تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في منظومة تسعير برنت.
بهذه الطريقة تنتقل صدمة الإمدادات عبر سلسلة من عمليات الاستبدال وإعادة توجيه الشحنات. فالحدث قد يبدأ في الشرق الأوسط، لكن أثره يصل إلى غرب أفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة مع إعادة توزيع الخام المتاح عالميًا.
الممرات البحرية قد تتحول إلى نقاط اختناق عالمية
تزداد حساسية هذه المنظومة عندما تمر كميات ضخمة من النفط عبر ممر بحري ضيق لا تتوافر له بدائل سهلة.
ويعد مضيق هرمز المثال الأبرز. فقد مر عبره نحو 20.9 مليون برميل يوميًا من السوائل البترولية خلال النصف الأول من 2025، وهو ما يعادل تقريبًا ربع تجارة النفط البحرية العالمية. ولهذا، فإن أي اضطراب كبير في المرور عبر المضيق لا يمثل مشكلة محلية لدول الخليج وحدها، بل يمكن أن يؤثر في توازن سوق النفط العالمية.
وقد يظهر الأثر من عدة قنوات في وقت واحد. فقد تنخفض كمية النفط التي تصل إلى المشترين، وترتفع تكاليف الشحن والتأمين، وتصبح بعض الرحلات أكثر صعوبة أو تكلفة، بينما يزيد الطلب على الخام القادم من مناطق لا تعتمد على المسار المتضرر. وفي نفس الوقت، قد تبدأ السوق في إضافة علاوة مخاطر إلى الأسعار حتى قبل حدوث نقص فعلي واسع النطاق، إذا ارتفعت احتمالات استمرار الاضطراب أو اتساعه.
النفط المنقول بحرًا يجعل برنت أكثر تعرضًا للصدمات العالمية
تنبع حساسية برنت لصدمات الإمدادات بدرجة كبيرة أيضًا من ارتباطه بسوق النفط المنقول بحرًا. فهذه السوق تعتمد على شبكة عالمية من موانئ التصدير والناقلات والممرات البحرية، ولذلك يمكن لأي اضطراب كبير في إحدى حلقاتها أن يغير سريعًا كمية الخام المتاحة للمشترين وتكلفة الحصول عليه.
وحجم هذه السوق يوضح أهميتها. فقد قدرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن نحو 79.8 مليون برميل يوميًا من النفط والسوائل البترولية انتقلت عبر التجارة البحرية خلال النصف الأول من 2025، مقارنة بإمدادات عالمية بلغت نحو 104.4 مليون برميل يوميًا.
وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من النفط العالمي يعتمد على قدرته على الانتقال من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك عبر البحر.
لذلك، عندما تتراجع صادرات دولة منتجة رئيسية، لا تقتصر المشكلة على العملاء الذين كانوا يشترون خامها مباشرة. فهؤلاء المشترون يبدأون في البحث عن بدائل من مناطق أخرى، مثل بحر الشمال أو غرب أفريقيا أو الولايات المتحدة أو أمريكا اللاتينية.
ومع دخول مشترين جدد في المنافسة على الإمدادات البديلة، ترتفع قيمة البراميل التي لا تزال متاحة للتصدير. وهكذا يمكن لصعوبة بدأت في سوق واحدة أن تنتقل إلى سوق الخام المنقول بحرًا بأكملها، وهو ما يجعل برنت من أوائل المؤشرات التي تعكس هذا التشدد.
ارتفاع تكاليف الشحن قد يدفع برنت للصعود حتى مع استقرار الإنتاج
لا تتطلب صدمة الإمدادات دائمًا اختفاء براميل النفط من السوق. ففي بعض الحالات، يظل النفط يُنتج بنفس الكميات تقريبًا، لكن يصبح نقله إلى المشترين أكثر صعوبة أو أكثر تكلفة.
فإذا ارتفعت المخاطر في طريق ملاحي رئيسي، قد تضطر شركات الشحن إلى تغيير مسارات الناقلات أو تجنب مناطق معينة. والمسار الأطول يعني استهلاكًا أكبر للوقود، وارتفاع تكلفة تشغيل السفن، وزيادة أقساط التأمين، وتأخر وصول الشحنات إلى المصافي.
وقد يؤدي طول الرحلات أيضًا إلى إبقاء الناقلات مشغولة لفترات أطول، وهو ما يقلل عدد السفن المتاحة لنقل شحنات جديدة ويرفع أسعار الشحن بدرجة أكبر. وهكذا يمكن أن ترتفع تكلفة البرميل الذي يصل فعليًا إلى المصفاة رغم عدم حدوث أي تغير كبير في حجم الإنتاج العالمي.
وهذه النقطة مهمة عند تحليل برنت، لأن المؤشر مرتبط بصورة وثيقة بسوق الخام المنقول بحرًا. فإذا أصبحت عملية نقل النفط بين مناطق الإنتاج والاستهلاك أكثر تكلفة أو أقل كفاءة، فقد يظهر جزء من هذا الضغط سريعًا في أسعار الخام.
العقوبات قد تقلص الإمدادات القابلة للتداول دون خفض الإنتاج
يمكن للعقوبات الدولية أن تخلق تأثيرًا مشابهًا. فالدولة الخاضعة للعقوبات قد تواصل ضخ كميات كبيرة من النفط، لكن القدرة على بيع هذه البراميل في السوق الدولية قد تصبح أكثر تعقيدًا، حيث تواجه الشركات قيودًا على التمويل، أو التأمين، أو استخدام الناقلات، أو المدفوعات، أو التعامل مع موانئ ومؤسسات معينة.
وهذا يعني أن الرقم الإجمالي للإنتاج العالمي قد لا يتراجع بنفس مقدار الضغط الذي يشعر به المشترون في السوق المفتوحة.
تنقسم السوق في هذه الظروف إلى مجموعتين. الأولى هي النفط الخاضع للعقوبات، والذي يمكن أن يصل إلى مجموعة محدودة من المشترين، وغالبًا بشروط أو خصومات مختلفة. والثانية هي براميل النفط غير المقيدة التي يستطيع عدد أكبر من المصافي والشركات شراؤها وتمويلها وشحنها بصورة طبيعية. وفي هذه الحالة، تزداد المنافسة على الفئة الثانية.
نوع الخام المفقود قد يكون أهم من عدد البراميل وحده
لا يمكن أيضًا التعامل مع جميع براميل النفط باعتبارها متطابقة. فالخامات تختلف في خصائص أساسية مثل الكثافة ومحتوى الكبريت، بينما تختلف المصافي نفسها في قدرتها على معالجة هذه الأنواع. ولهذا لا يستطيع المشتري دائمًا استبدال مليون برميل من خام معين بمليون برميل من أي خام آخر من دون تكلفة أو تعديلات إضافية.
فإذا اختفت من السوق كمية كبيرة من خام خفيف منخفض الكبريت، ستبحث المصافي التي تحتاج إلى هذه المواصفات عن بدائل قريبة منه في الجودة. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة الطلب على خامات بحر الشمال أو خامات أخرى مرتبطة بمنظومة برنت. وبالتالي، قد يرتفع سعر هذه الخامات بدرجة أكبر من الزيادة التي يوحي بها حجم النقص الإجمالي وحده.
أما إذا تركز الاضطراب في خامات ثقيلة مرتفعة الكبريت، فقد تنتقل الضغوط بدرجة أكبر إلى مؤشرات أو فروق سعرية تعكس هذا النوع من النفط.
خاتمة: برنت حساس للصدمات العالمية، لكنه ليس دائمًا الأكثر تحركًا
ارتباط برنت بالتجارة البحرية العالمية يجعله مؤشرًا شديد الحساسية للأحداث التي تعطل حركة النفط بين المناطق، لكن هذا لا يعني أنه يجب أن يكون أكبر المؤشرات ارتفاعًا في كل أزمة. فنوع الاضطراب ومكانه يحددان أي جزء من سوق النفط سيتلقى الصدمة بصورة مباشرة.
إذا تركزت المشكلة في صادرات منطقة الخليج، على سبيل المثال، فقد تظهر ضغوط قوية أيضًا في مؤشرات مثل دبي وعُمان بسبب ارتباطهما الوثيق بالخامات الشرق أوسطية والأسواق الآسيوية. أما إذا حدثت المشكلة داخل شبكة خطوط الأنابيب أو التخزين المرتبطة بكوشينغ في الولايات المتحدة، فقد يكون تأثيرها المباشر أكبر على خام غرب تكساس.
لذلك لا توجد قاعدة تقول إن برنت سيرتفع دائمًا أكثر من أي خام آخر عندما تحدث أزمة في الإمدادات. القاعدة الأكثر دقة هي أن برنت يميل إلى الاستجابة بقوة عندما تكون الصدمة واسعة بما يكفي لتغيير توافر النفط المنقول بحرًا والقابل للتداول بين الأسواق الدولية. أما الصدمات التي تظل محصورة داخل شبكة إنتاج أو نقل إقليمية، فقد يظهر تأثيرها الأكبر في المؤشر الأكثر ارتباطًا بتلك المنطقة.