بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

(الإلتزام التاريخي والضوابط الدستورية. لماذا تأجلت جلسة تفويض الدفاع عن السعودية)

في ضوء التطورات الأخيرة المتمثلة في الهجوم الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي بالرياض وما ترتب عليه من تعليق مؤقت لحركة الطيران، برزت الحاجة إلى قراءة سياسية هادئة لمسار الدعوة التي وجهها رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي لعقد جلسة طارئة لمجلس النواب لمناقشة تفويض بالتدخل الدفاعي لصالح المملكة العربية السعودية حال طلبها ذلك. 
ومن الناحية الدستورية، يستند هذا التحرك إلى المادة 152 من الدستور المصري التي تنص على أن رئيس الجمهورية لا يعلن الحرب ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء، وهو ما يفسر لماذا كانت الدعوة موجهة للبرلمان وليست قرارا تنفيذيا منفردا، فالتحرك بهذا الشكل يحول أي تدخل محتمل من قرار سياسي إلى إجراء مؤسسي مكتمل يخضع للرقابة التشريعية ويتوافق مع اتفاقية الدفاع العربي المشترك وميثاق جامعة الدول العربية الذي يعتبر الاعتداء على أي دولة عربية اعتداء على الجميع.
مجلس النواب أراد إعطاء الفرصة للمسار التفاوضي والدبلوماسي والسعي لتفعيل المبادرات السلمية   وهو ما أدى إلى تأجيل الجلسة،  النواب يرى أن أمن المملكة العربية السعودية هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري وأن أمن البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس مرتبط مباشرة بأمن السعودية، وأن التزام مصر التاريخي بعد وقوف دول الخليج بجانبها بعد عام 2013 يفرض الاستعداد المسبق وعدم ترك القرار للحظة الأخيرة، ويعتبرون أن مجرد منح التفويض في حد ذاته يمثل رسالة ردع سياسية تمنع أي طرف من التفكير في تهديد المملكة أو ابتزازها سياسيا تحت ذريعة تقديم حماية بديلة، وأن التفويض دفاعي بطبيعته وليس هجوميا وأنه مشروط بطلب رسمي من المملكة نفسها.
وفي المقابل هناك فريق آخر من النواب يتحفظ ويرى ضرورة التريث ومناقشة الأمر بشكل أوسع، ويستندون إلى اعتبارات دستورية وسياسية، منها أن إصدار تفويض مفتوح قد يفسر خارجيا على أنه استعداد للدخول في حرب إقليمية في وقت تتعامل فيه مصر مع ملفات معقدة على حدودها الجنوبية في السودان والغربية في ليبيا بالإضافة إلى الوضع في غزة، كما يرون أن الأوضاع الاقتصادية الداخلية تتطلب تركيز الجهود على الداخل وأن أي تدخل خارجي يجب أن يكون محدد المدة والنطاق والأهداف حتى لا يتحول إلى التزام طويل الأمد، ويطالبون بتوضيح طبيعة القوات ومدة التفويض وآليات التنسيق مع قيادة المملكة وتحت مظلة عربية 
هذا التباين هو في جوهره صحي وظاهره ديمقراطية، فتأجيل الجلسة لم يكن تراجعا بل كان إجراء برلمانيا مقصودا لإتاحة الوقت للجان المختصة وهي لجنة الدفاع والأمن القومي ولجنة الشؤون العربية ولجنة الشؤون الدستورية والتشريعية لدراسة الصياغة القانونية للتفويض وتحديد ضوابطه، فالتفويض المطروح ليس إعلان حرب بل هو تفويض مشروط ومحدد بطلب سعودي رسمي وبموافقة برلمانية وبمهمة دفاعية فقط تهدف إلى حماية الحدود والأجواء وليس الدخول في عمليات هجومية داخل اليمن أو غيره، كما أن صياغته يجب أن تتضمن آلية لإنهاء المهمة وآلية لتقييم الموقف بشكل دوري أمام البرلمان.
سياسيا، مميزات هذا التحرك تتمثل في أنه يعزز مبدأ الأمن القومي العربي المشترك ويؤكد أن مصر لا تتعامل مع أمن الخليج كشأن خارجي بل كامتداد لأمنها القومي، كما أنه يقطع الطريق على محاولات بعض القوى الإقليمية والدولية لإستغلال الأزمة لفرض ترتيبات أمنية جديدة في البحر الأحمر تكون على حساب السيادة العربية، بالإضافة إلى أن وجود تفويض برلماني جاهز يمنح الدولة المصرية أداة ضغط دبلوماسية يمكن استخدامها في مفاوضات خفض التصعيد دون الحاجة لاستخدام القوة فعليا.
أما التحديات فتتمثل في ضرورة الحفاظ على التوازن بين الالتزام العربي وعدم التورط في صراع يستنزف الموارد، وضرورة إدارة الرسائل الإعلامية بحيث لا يتم تفسير الموقف المصري كتهديد لأي طرف بل كإجراء احترازي دفاعي، وضرورة التنسيق الكامل مع المملكة بحيث يكون أي تحرك تحت قيادة وتنسيق مشترك وبغطاء عربي واضح.
ولذلك كان قرار تأجيل الجلسة البرلمانية قرارا حكيما يعطي الفرصة لبلورة تفويض متوازن يراعي الدستور ويحفظ مصالح مصر ويصون أمن السعودية في نفس الوقت، ويؤكد أن القرارات المصيرية في الدولة المصرية  تدرس بهدوء داخل مؤسساتها.