بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

جرحٌ أبكى الثقافة في عيون حامد ياسين!


هل أنتم مشغولون إلى درجة لا تدفعكم للتعرف عليّ؟ هل أنتم مشغولون بوجع السياسة والحرب وشظف العيش، أم مشغولون بحجز تذاكر حفل صاخب لمطرب موتور وراقصة تهز العقول في الفراغ؟ 
كم هي انشغالاتكم ليضيع مداد قلبي في صوت التيه داخل قاعة ملؤها الصمت المريع؟ 
ترى هل قال الأديب الجزائري حامد ياسين تلك الكلمات لنفسه حين بكت عيناه في قاعة خالية حمل إليها كتبه معتقداً أن الجموع في انتظاره لإقامة عرس التوقيع، فإذا بالقاعة خالية إلا منه وصديق وحيد، لعله جاء مصادفة ليوثق لحظة الهزيمة والسقوط المريع للثقافة والأدب في العقول؟
في تلك القاعة لم يبكِ رجل واحد، بل بكت الثقافة العربية كلها، ما حدث مع الكاتب الجزائري حامد ياسين في مدينة "بئر العاتر" بولاية "تبسة"، ليس حادثة معزولة، بل هو مرثية مفتوحة للقراءة في بلادنا.
حضر الأديب وقد رتب نسخ روايته الجديدة، جاء وفي داخله بريق وبقايا سهر وتعب أضناه حتى أنهى أسطر روايته، جاء غير منتظر تصفيقاً ولا تهليلاً، بل في شغف لعقول تسمع وقلوب تشعر بما يكتب، فتقرّ وتثني وتستفيد، ففتح باب القاعة ليجد الصمت والفراغ في انتظاره، وتفجر بداخله السؤال المر" أين أنا منكم؟" وهو يبحث في الصمت عن العيون المصغية التي تثمر له تقديراً يعوضه عن سنوات السهر.
كانت القاعة خالية تماماً إلا من صديق واحد وثق المشهد، فانهار باكياً، لم يكن ينتظر مجداً، كان ينتظر أن يجد من يصغي إليه، أن يجد عزاءً لساعات كتابته الطويلة ولم يجد.
هذا البكاء ليس خيبة شخصية، بل هو نزف جرح مؤلم للثقافة، وسؤال يطارد المثقفين كلهم: لمن نكتب؟ لمن نحاول أن نقدم خلاصة تجاربنا وقلقنا وقراءتنا للحياة إذا أصبحت الكتب بعيدة عن الحياة اليومية للناس؟ وهنا يكمن الوجع الحقيقي.
إن ما أصاب حامد ياسين ليس حالة متفردة، بل هو ظاهرة موجعة باتت مشهداً شبه متكرر، كم من كاتب جهز طاولته ورتب كتبه ومرت الدقائق ثم الساعات وبقيت القاعة خاوية على عروشها؟، لذا لم تكن دموعه وحده حين أجهش بالبكاء حسرة ولوعة، إنها دموع على أرصفة الكلمات، خيبة المبدع في أقصى تجلياتها، حين تأتي الصدمة لا من الرقيب، بل من الكرسي الفارغ والأصابع المتجمدة على القلم دون توقيع إهداء، واليد الممتدة بكتاب لا تجد من يتسلمه.
هنا يموت المؤلف معنوياً مرتين، مرة حين يكتب وحده، ومرة حين لا يجد من يقرأ، يتواری الأدباء الحقيقيون عن الحياة قهراً، لا لأنهم بلا موهبة، بل لأنهم أكثر احتراماً من أن يجيدوا فن "التنطيط" والترويج.
يظن الواحد منهم ببراءة المبدع ونبله أن إبداعه كافٍ للحديث عنه، وأن النص الجيد سيقدم نفسه للعالم، فإذا بالعالم قد تغيرت قواعده، لقد صار العالم للتوافه، صار للريم على السطح، صارت الأضواء لا تسلط على فكر يهز العقول ليوقظها فتفكر، ولا على أدب يهز القلوب لترتقي، بل على من يهز الوسط ليدير الشهوات ويوقظها، فبات صانع التفاهة يملأ القاعات، وكاتب الرواية يبكي وحيداً.
من هو حامد ياسين؟لمن لا يعرفه.
هو روائي جزائري مولود سنة 1973 بمدينة بئر العاتر بولاية تبسة الحدودية، اشتهر بروايته "لمن تقرأ زابورك يا داوود (سفيرة من الريف)"، وهي رواية تستند إلى قصة واقعية تسلط الضوء على معاناة ودور المرأة الريفية إبان ثورة التحرير الوطني، أما كتابه الجديد الذي أبكاه فهو بعنوان "الصحراء عاصمة الضباب"، والذي صرح أنه بذل فيه مجهوداً كبيراً، وكان سبب خيبة أمله تلك الليلة حسب مداخلته مع قناة الشروق الجزائرية.
حامد ياسين ليس مجرد اسم "ترند" عابر، هو صوت لجيل من الكتاب الذين لا يملكون آلة تسويق ولا حزباً إعلامياً، بل يملكون فقط قلماً صادقاً وقلباً يؤمن أن الكلمة لا تزال تستحق أن تُكتب، حتى لو لم يحضر أحد ليصفق لها، ودموع حامد ليست الأولى، بل هي دمعة قديمة في تاريخ الأدب، فقط تغيرت القاعة والكاميرا، وبقي الخذلان واحداً. 
فقد سبق حامد ياسين إلى قاع الخذلان الكاتب التشيكي "فرانز كافكا" الذي مات سنة 1924 ولم يمش في جنازته إلا صديقه ماكس برود، لأنه لم يكن يملك قراء أصلاً، وأوصى بحرق مخطوطاته، فخان صديقه الوصية ونشرها، ليصبح كافكا اليوم أب الأدب الحديث وصاحب "المسخ" و"المحاكمة" و"القلعة".
وسبقه أيضاً هرمان ملفل صاحب رواية "موبي ديك" التي فشلت سنة 1851 وسخرت منها الصحف، ومات مفلساً كموظف جمارك، ولم تُكتشف روايته إلا بعد سبعين عاماً لتصبح أعظم رواية أمريكية، وهي ليست عن الحيتان فقط، بل عن جنون الإنسان وهوس الانتقام المتمثل في الحوت الأبيض وتمثل رمز كل شيء يستحيل على الإنسان الإمساك به: القدر، الله، الحقيقة، أو الهوس الذي يدمر صاحبه حين يحاول أن يتحدى المستحيل.
وكذلك الكاتب الأميركي "مارسيل بروست" أب الرواية الحديثة، الذي طاف برواية "البحث عن الزمن المفقود" على كل دور النشر فرفضوها، فاضطر أن يدفع من جيبه لطباعتها وطباعة روايته "جانب منزل سوان" سنة 1913.
وحتى نجيب محفوظ الحاصل على نوبل، روى أنه حين صدرت أعماله الأولى "عبث الأقدار ورادوبيس وكفاح طيبة" في الأربعينيات لم يُبع منها إلا نسخ معدودة، وكان يجلس وحيداً في مقهى الفيشاوي بينما قاعات أم كلثوم تكتظ بالآلاف.
وقبل أشهر، جلست كاتبة بريطانية شابة ست ساعات في مكتبة بلندن ولم يدخل عليها أحد في حفل توقيعها، فوضعت لافتة "تعالوا احضنوني"، وفي تكساس صور كاتب قاعته الخالية فلم يحضر سوى عامل النظافة.
الفرق بين الأمس واليوم أن الأمس كان صمتاً، أما اليوم فهو صمت موثق بفيديو يراه الملايين، فقاعات الكتاب الفارغة ليست دليل فشل الكاتب، بل دليل مرض الثقافة، العظماء يأتون دائماً قبل جمهورهم بخطوة، وحين يبكي كاتب لأن صديقاً واحداً فقط حضر، فاعلم أن التاريخ سيحضر كله فيما بعد ليعتذر له.
وحين بكى حامد ياسين، لم تكن دموعاً، بل مداداً لقلمة وفكره وسنوات عمره التي قضاها منحنيا على الأوراق، فهل سيسكبه بعد ذلك على المساحات البيضاء ليلونها بالخيال والواقع من السرد، أم سيترك الصفحات ممسوحة بلا معالم لتتواءم مع عبثية ساحتنا الثقافية؟ أم سيبتلع حزنه وملح دمعه ويصل لقناعة: "أنا أكتب لأعيش، أكتب لنفسي كي أتنفس، وليس مهماً أن يقرأ أحد ما أكتب"؟ هل سنصل جميعاً يوماً إلى تلك القناعة الموجعة ونعتنق كل هذا العبث؟

الكاتبة الروائية : فكرية أحمد