حكم الشرع في كتابة الدين هل هي واجبة
اختلف الفقهاء في وجوب كتابة الدين،و منشأ الخلاف في هذه المسألة،اختلافهم في الأمر الوارد في آية الدين من سورة البقرة:«يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) هل هو للوجوب أم للندب؟
1-المذهب الأول: ذهب الجمهور المالكية و الحنفية و الشافعية و الحنابلة إلى أن كتابة الدين مندوب و ليس واجبا.
يقول الإمام الشافعي-رحمه الله-:[.. دلّ كتاب الله عز وجل على أنّ أمره بالكتاب ثمّ الشهود ثمّ الرهن؛ إرشادٌ لا فرض عليهم، لأنّ قوله: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: 283] إباحة لأن يأمن بعضهم بعضا، فيدع الكتاب والشهود والرهن..].انتهى
وقال الإمام الجصاص-رحمه الله-:[ولا خلاف بين فقهاء الأمصار، أنّ الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن المذكور جميعه في هذه الآية ندب وإرشاد إلى ما لنا فيه الحظ والصلاح والاحتياط للدين والدنيا، وأن شيئا منه غير واجب. وقد نقلت الأمة خلفا عن سلف عقود المداينات والأشرية والبياعات في أمصارهم من غير إشهاد، مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير منهم عليهم، ولو كان الإشهاد واجبا لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به، وفي ذلك دليل على أنهم رأوه ندبا. وذلك منقول من عصر النبي ﷺ إلى يومنا هذا. ولو كانت الصحابة والتابعون تشهد على بياعاتها وأشريتها لورد النقل به متواترا مستفيضا، و لأنكرت على فاعله ترك الإشهاد، فلمّا لم يُنقل عنهم الإشهاد بالنقل المستفيض ولا إظهار النكير على تاركه من العامة، ثبت بذلك أنّ الكتاب والإشهاد في الديون والبياعات غير واجبين..]..انتهى
و عمدة هذا المذهب:
•قوله تعالى {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ}. فجواز الائتمان بلا كتابة دل على أن الكتابة ليست فرضا لازما، بل هي للتحرز وحفظ الحقوق عند عدم الثقة أو خوف النسيان.
• ما ثبت عن النبي ﷺ أنه عامل بعض الناس وباع واشترى نسيئةً من غير كتابة أو إشهاد في بعض المواطن.
2-المذهب الثاني : ذهب الحافظ ابن حزم و قبله ابن جرير الطبري إمام المفسرين إلى وجوب توثيق الدين،و هو اختيار ابن عاشور من المتأخرين.
قال الحافظ ابن حزم في المحلى (3/345):[فإن كان القرض إلى أجل، ففرض عليهما أن يكتباه وأن يشهدا عليه عدلين فصاعدا أو رجلا وامرأتين، عدولا فصاعدا. فإن كان ذلك في سفر ولم يجدا كاتبا فإن شاء الذي له الدين أن يرتهن به رهنا فله ذلك، وإن شاء أن يرتهن فله ذلك، وليس يلزمه شيء من ذلك الدين الحال لا في السفر، ولا في الحضر. برهان ذلك: قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} إلى قوله: {ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله} إلى قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} إلى قوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} وليس في أمر الله تعالى إلا الطاعة. ومن قال: إنه ندب، فقد قال: الباطل، ولا يجوز أن يقول الله تعالى: {فاكتبوه} فيقول قائل: لا أكتب إن شئت. ويقول الله تعالى: {واستشهدوا} فيقول قائل: لا أشهد، ولا يجوز نقل أوامر الله تعالى عن الوجوب إلى الندب إلا بنص آخر، أو بضرورة جس. وكل هذا قول أبي سليمان، وجميع أصحابنا، وطائفة من السلف، ونتقصى ذلك في " كتاب البيوع " إن شاء الله تعالى].
يقول الإمام الطبري-رحمه الله-: (والصواب من القول في ذلك عندنا: أنّ الله عز وجل أمر المتداينين إلى أجل مسمى باكتتاب كتب الدين بينهم، وأمر الكاتب أن يكتب ذلك بينهم بالعدل، وأمر الله فرض لازم، إلا أن تقوم حجة بأنه إرشاد وندب. ولا دلالة تدل على أن أمره جل ثناؤه باكتتاب الكتب في ذلك، وأن تقدمه إلى الكاتب أن لا يأبى كتابة ذلك، ندب وإرشاد، فذلك فرض عليهم لا يسعهم تضييعه، ومن ضيّعه منهم كان حرجا بتضييعه..)
ويقول العلامة محمد الطاهر بن عاشور-رحمه الله-: (.. والأرجح أنّ الأمر للوجوب فإنه الأصل في الأمر، وقد تأكد بهذه المؤكدات، وأن قوله: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا.. (الآية)﴾ رخصة خاصة بحالة الائتمان بين المتعاقدين -كما سيأتي-، فإنّ حالة الائتمان حالةٌ سالمة من تطرق التناكر والخصام، لأنّ الله تعالى أراد من الأمة قطع أسباب التهارج والفوضى، فأوجب عليهم التوثق في مقامات المشاحنة، لئلا يتساهلوا ابتداء ثم يُفضوا إلى المنازعة في العاقبة. ويظهر لي أنّ في الوجوب نفيا للحرج عن الدائن إذا طلب من مدينه الكتب حتى لا يعدّ المدين ذلك من سوء الظن به، فإنّ في القوانين معذرة للمتعاملين..).
و عمدة هذا المذهب:
•قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا”، فالجناح هو الإثم، ورفع الإثم هنا يدلُّ بمفهوم المخالفة على وجود الإثم في الدين إن لم يكتب، ولا يأثم المرء إلا بترك واجب، أو فعل محظور.
• وصف الكتابة أنها أقسط وأعدل وأبعد عن الشك، وأدل على صدق الشهادة: “ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا”،(البقرة: 281). وما يُحقق العدل وكان سبباً لحماية الحقوق فهو واجب.
• أمر الله تعالى المدين أن يُملي على الكاتب؛ “وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ”، لأنه إن أملى فهو مقر، والإقرار أقوى من الادعاء فيما لو أملى الدائن، وفي ذلك احتياط لضمان حق الدائن، وهذا الحرص على ضمان الحق يُؤكد الوجوب
•كثرة الأوامر في ءاية المداينة بكتابة الدين والإشهاد عليه: (فاكتبوه…. وليكتبْ بينكم كاتب بالعدل… فليكتبْ… وليُمْلِل..) مما يصرفُها إلى الوجوب، ولا قرينة قاطعة تصرفها عنه.
• النهي عن ترك الكتابة قلَّ الدينُ أو كثُـر، في قوله تعال: “وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ” (البقرة:281) والنهي يقتضي التحريم إلا بقرينة تصرفه عنه، ولا قرينة هنا.