حكم من أُعْطِي مالاً على سبيل الهبة أو النفقة - لأجل أن ينفقه في علاج فأنفقه في غير العلاج
حكم من أُعْطِي مالاً على سبيل الهبة أو النفقة - لأجل أن ينفقه في علاج فأنفقه في غير العلاج سؤال يسأل فيه الكثير من الناس فأجاب بعض اهل العلم وقال
قَالَ الْجُزُولِيُّ: «مَنْ دُفِعَ لَهُ مَالٌ؛ لِكَوْنِهِ صَالِحًا أَوْ عَالِمًا أَوْ فَقِيرًا : وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ تِلْكَ الْخَصْلَةُ : حَرُمَ أَخْذُهُ » وَفِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا الْعَدَوِيِّ، وَهُوَ فِي الْبَدْرِ الْقَرَافِيِّ أَيْضًا، مَا صُورَتُهُ : «مَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ شَيْئًا؛ لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ : فَلَا يَصْرِفُهُ إلَّا فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا مَنْ دَفَعَ لِفَقِيرٍ زَكَاةً، فَبَقِيَتْ عِنْدَهُ حَتَّى اسْتَغْنَى: فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ - بَلْ تُبَاحُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِوَجْهٍ جَائِزٍ » ]. حاشية الدسوقي: [ جـ 4 - صـ 405 ].
قال الإمام ابن حجر الهيتمي:
- [ وَمَنْ أُعْطِيَ لِوَصْفٍ يُظَنُّ بِهِ : كَفَقْرٍ ، أَوْ صَلَاحٍ ، أَوْ نَسَبٍ - بِأَنْ تَوَفَّرَتْ الْقَرَائِنُ أَنَّهُ إنَّمَا أُعْطِيَ بِهَذَا الْقَصْدِ ، أَوْ صَرَّحَ لَهُ الْمُعْطِي بِذَلِكَ ، وَهُوَ بَاطِنًا بِخِلَافِهِ : حَرُمَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ مُطْلَقًا ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ كَانَ بِهِ وَصْفٌ بَاطِنًا - لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْمُعْطِي لَمْ يُعْطِهِ ، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي الْهَدِيَّةِ أَيْضًا عَلَى الْأَوْجَهِ ، وَمِثْلُهَا سَائِرُ عُقُودِ التَّبَرُّعِ فِيمَا يَظْهَرُ - كَهِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَوَقْفٍ وَنَذْرٍ ]. تحفة المحتاج: [ جـ 7 - صـ 177 ].
وقال الإمام النووي:
- [ أَعْطَاهُ دِرْهَمًا وَقَالَ : ادْخُلْ بِهِ الْحَمَّامَ - أَوْ دَرَاهِمَ - وَقَالَ : اشْتَرِ بِهَا لِنَفْسِكَ عِمَامَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ : أَنَّهُ إِنْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّبَسُّطِ الْمُعْتَادِ ، مَلَكَهُ وَتَصَرَّفَ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ . وَإِنْ كَانَ غَرَضُهُ تَحْصِيلُ مَا عَيَّنَهُ، لِمَا رَأَى بِهِ مِنَ الشَّعَثِ ، وَالْوَسَخِ ، أَوْ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ مَكْشُوفُ الرَّأْسِ : لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ إِلَى غَيْرِ مَا عَيَّنَهُ . قُلْتُ : وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي: (الْفَتَاوَى) : وَهَلْ يَتَعَيَّنُ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ . وَقَالَ : وَلَوْ طَلَبَ الشَّاهِدُ مَرْكُوبًا لِيَرْكَبَهُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ، فَأَعْطَاهُ دَرَاهِمَ لِيَصْرِفَهَا إِلَى مَرْكُوبٍ ، هَلْ لَهُ صَرْفُهَا إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى ؟ وَجْهَانِ . الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ ، مَا قَالَهُ الْقَفَّالُ ]. روضة الطالبين:
العطاء لشيئ بعينه - يختلف عن العطاء المُطلق - فلو أن فلاناً أعطى لفلان ديناراً، كصدقة أو هبة - بغير شرط من المُعطِي، ولم يقصد شيئاً بعينه: جاز له أن ينفقه كيف شاء - مثاله: أن يعطيك صاحب العمل مكافأة - فهو لم يحدد فيما ستنفق هذا المال - فيجوز لك أن تنفقه فيما شئت - وكذا من أعطى لسبب، لكنه لا يُمانِع من أن يُنْفَق في غير ذلك السبب: جاز إنفاقه لهذا السبب ولغيره، كما لو أعطاه ديناراً، لا لأجل سبب معين، وإنما قال له افعل به كذا، على سبيل الإرشاد، ولكنه لا يُمَانِع في إنفاقه في شيئ آخر : جاز إنفاقه في هذا السبب وفي غيره، طالما أنه أعطاه بإطلاق، وإنما حدد له سبباً على جهة الإرشاد، لا على جهة القصد والتعيين.
وهذا بخلاف ما لو أعطاه لشيئ بعينه، لا غيره، فقال جازماً: ( اشترِ لك به كذا - أو افعل بهذا المال كذا ) ولولا هذا الشيئ وهذا السبب - ما أعطاه : فليس له أن يتصرف فيه إلا فيما عيَّنَه المُعطِي
وكذلك: لو أعطاه يظن به حالة معينة، كفقر أو صلاح، وما شابه ذلك، وتظاهر المُعْطَى أمام المُعطِي بهذه الحالة، لأجل الحصول على المال، وهو ليس كما تظاهر - ولو علم المُعطِي بحقيقة الأمر، ما أعطاه : فلا يجوز للمُعْطَى هذا المال، ويلزمه رده.