بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

"التشورتشخيلا وحكايات أخرى".. كيف تروي المائدة حكاية شعب؟

بوابة الوفد الإلكترونية

هل يمكن أن نقرأ شعبًا من خلال ما يأكله؟ وهل يصلح الطبق أن يكون شاهدًا على التاريخ، فلا يقل أهمية عن كتب المؤرخين؟

 هذا هو السؤال الذي يطرحه ويجيب عنه كتاب "التشورتشخيلا وحكايات أخرى (مائدة الجبال القوقازية)"، للكاتبة الصحفية والقاصة هايدي فاروق، والصادر عن مؤسسة غايا، وهو ينتمي إلى أدب الرحلات، لكنه يتخذ من الطعام مدخلًا لفهم الهوية في جورجيا وأرمينيا.

يبدأ الكتاب من سبب بسيط، هو تعذر الحصول على تأشيرة شنجن وارتفاع اليورو، فتتجه الكاتبة إلى القوقاز، لتنتقل بنا بين تبليسي وباتومي ثم يريفان، في فصول قصيرة بعناوين شاعرية، تنتهي بملحق للوصفات، وقد استطاعت أن تربط المائدة بالسياسة، فتتوقف عند نزاع الدول على نسب جبن السلوجوني، وعند البقلاوة التي تتنازعها أكثر من دولة، وتنبه إلى أن الخينكالي والخاتشابوري جورجيان وليسا أرمنيين، ثم تعود وتلتفت إلى ذاكرة الإبادة الأرمنية وأثر الانهيار السوفييتي في طعام الناس.
هكذا يتحول الطعام إلى حكاية عن الصمود والهوية، وهو ما يُحسب للكاتبة كثيرا.

على أن أبرز ما في الكتاب، في رأيي، هو صوت الكاتبة نفسها، فنحن أمام امرأة تتراشق بالدقيق مع زوجها في ورشة الخاتشابوري فتضحك الورشة كلها، ثم أم تسافر بطفلها الصغير فترى العالم بعين الأم لا السائحة، وتهتم بما يحتاجه المسافر المصري فعلًا من معلومات عن الصرف ومعاملة المطارات.

 

دلالة العنوان:
اختارت الكاتبة "التشورتشخيلا"، وهي الحلوى المصنوعة من عصير العنب والجوز، وكأنها هنا تقول إن التاريخ كله يمكن أن يُسجل على عناقيد حلوى بسيطة، وهي فكرة جميلة، وإن لم يحضر العنوان بالقوة نفسها عبر الفصول.
بينما جاءت رسوم أحمد جعيصة لتخفف من كثافة المعلومات مثل وجبة دسمة.
 

بعض الملاحظات:
لي هنا أن أشير إلى أن الفصلين الأخيرين من القسم الجورجي أقرب إلى تلخيص لكتاب الباحثة الأمريكية دارا جولدستين، فقد حلا محل تجربة ربما كان القارئ ينتظرها، كما يتجاور الأسلوب الأدبي مع معلومات الدليل السياحي، من أسعار الحمامات إلى قوائم المهرجانات، وهو ما يشعرنا بعض الشيء باهتزاز الإيقاع، فيما يحتاج وصف الكتاب الذي ورد في المقدمة بأنه "تحقيقات استقصائية" إلى مراجعة، فهي في الأدق مشاهدات رحلة، كما تحتاج بعض التفسيرات اللغوية لأسماء الأرمن إلى سند. 
أما النهاية فجاءت نداءً حماسيًا للمغامرين، وكنت أتمنى أن تعود فيها الكاتبة إلى التشورتشخيلا التي حملت الكتاب كله.

ختاما.. ما أكثر الأمم التي عرفناها من مائدتها قبل أن نعرفها من كتبها، لكن الطعام مهما حمل من تاريخ، يحتاج إلى من يحسن روايته، وهذا ما نجحت الكاتبة الصحفية والقاصة هايدي فاروق في فعله من خلال كتابها الشهي "التشورتشخيلا وحكايات أخرى".