مراجعات
الحرية.. والوصاية!
عندما تتحول «العلمانية» من ادعاء ضمانة حقيقية لحرية الاعتقاد، إلى سلاحٍ رجعي لملاحقة بعض مظاهر التدين، فإن أزمة الحرية تتعمق، لتصبح اختبارًا لعدالة الدولة التي تزعم حماية الحقوق، حيث تضع مواطنيها أمام خيارٍ قاسٍ، سواء أكان في التنازل عن قناعاتهم، أو دفع ثمن التمسك بها!
في الثامن عشر من أكتوبر الجاري، احتفلت أذربيجان بالذكرى الـ35 لاستعادة استقلالها عن الاتحاد السوفيتي عام 1991، على وَقْع مظاهرات واعتصامات متفرقة، احتجاجًا على منع الحجاب في المدارس، في بلدٍ يشكل المسلمون فيه نحو 96% من سكانه.
ورغم أن الدستور يقرر علمانية الدولة ويكفل حرية الاعتقاد، إلا أن ما حدث مؤخرًا بمنع طالبات ومعلمات محجبات من دخول مدارسهن بسبب «قواعد الزي»، يجعل «قطعة قماش» على الرأس، أخطر على النظام من أسئلة تتعلق بتوريث السلطة وتكافؤ الفرص!
بالطبع، لا نعترض على تنظيم الزي المدرسي، وإنما في تحويله إلى «أداة عقاب» لحرمان فتاة أو معلمة من حقها في التعلم أو العمل، بسبب اختيار ديني لا يعتدي على حقوق الآخرين، ولذلك نتصور أن الدولة التي لا تُجبر امرأة أو فتاة على ارتداء الحجاب، لا يحق لها أن تجبرها على خلعه!
إن «علمانية باكو»، التي تُحارب «مظهرًا دينيًا» بسيطًا، لا يمكنها حماية حرية الاعتقاد أو الحفاظ على حياد الدولة، الذي تحول إلى وصاية، وبالتالي لا قيمة للحرية إذا كانت السُّلطة وحدها فقط، هي التي ستحدد لمواطنيها أي مظهر مقبول وآخر يستحق العقاب!
لعل المفارقة الأكثر استفزازًا، أننا حين ننظر إلى بنية الحكم في أذربيجان ـ منذ انتقال الرئاسة من «حيدر علييف» إلى نجله «إلهام» في 2003 وحتى الآن، نجد أن نظام الحكم محاط بنفوذ عائلي متغلغل، إذ تشغل «مهريبان علييف» زوجة الرئيس، منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية منذ العام 2017، فيما تشغل ابنتهما «ليلى علييف» منصب نائب رئيس مؤسسة حيدر علييف!
تلك الوقائع وغيرها من التجاوزات، تشير إلى انتهاكات دستورية، وافتقار لأدنى معايير العدالة، لتفتح بابًا مشروعًا للتساؤل عن تكافؤ الفرص وحدود تداخل النفوذ العائلي مع مؤسسات الدولة، واتساع دوائر السُّلطة لأفراد العائلة الرئاسية، بينما تضيق أبواب مدرسة بفتاة «محجبة» تطلب مقعدًا دراسيًا!
إذن، الدولة الواثقة من علمانيتها لا تخشى حجاب فتاة، كما لا تحتاج إلى اختبار ولاء الطالبات والمعلمات عبر ملابسهن، لأن المجتمع لا يصبح أكثر حرية حين يُجْبَر المتدين على إخفاء تدينه، كما لا تكون الدولة أكثر حداثة لمجرد إقصاء «مظهر ديني»!
أخيرًا.. رغم أن «العلمانية» تحولت في كثير من البلدان إلى شعار فارغ وسلاح انتقائي، فإننا نؤكد أن المعركة ليست بين الإسلام والعلمانية ـ كما قد يصورها البعض ـ وإنما بين الحرية والوصاية، ولذلك حين تصبح «العلمانية» ذريعة للإقصاء، فإنها تفقد دورها كـ«ضمانة» للحرية، وتتحول إلى «وصاية» ترتدي ثوب القانون.
فصل الخطاب:
«الحرية الحقيقية لا تُقاس بما قد تسمح به السُّلطة لمن يُشبهها، بل بما تحميه لمن يختلف معها».