لعل وعسى
منتدى قفص الطيور (2)
تأتى هذه المقالات قبل انعقاد منتدى مصر 2026، وأثناء وبعد انعقاده، وقد تناولنا فى المقال السابق أن زيارة الرئيس السيسى الأخيرة لثلاث دول من جنوب شرق آسيا، وقبل انعقاد منتدى مصر 2026، بأسبوع واحد، قد جاءت من أجل رسم خارطة طريق جديدة بعيدة عن صندوق النقد الدولى، وأن المحاور المتوقع البناء عليها فى منتدى مصر 2026 تماثل تقريبا نفس المحاور التى بنت عليها الدول الثلاث نهضتها التنموية، من حيث السعى نحو بناء الإنسان وجودة الحياة، وأيضًا تناول الملف الاقتصادى ليتم استعراض البرنامج الوطنى للتحول الاقتصادى لما بعد برنامج صندوق النقد الدولى، وإدارة الدَّين الخارجى، وموارد النقد الأجنبى.كذلك ريادة الأعمال والابتكار عبر دعم الشركات الناشئة، وتمكين الشباب، وربط الابتكار بتنافسية الاقتصاد المصرى، مع توجه مشترك لهذه الدول، وهو التركيز على البحث والتطوير والابتكار، وإذا كانت عين الرئيس السيسى على تجارب هذه الدول، فإن العين الأخرى تقع على استراتيجية الصين التنموية «اقتصاد قفص الطيور» وهو نموذج اقتصادى لتوجيه مسار الإصلاحات الاقتصادية، ويقوم على ضرورة وجود الطائر (السوق والقطاع الخاص) ويؤكد منتدى مصر 2026 الحاجة إلى الحرية لكى يطير ويتحرك هذا الطائر، وضرورة وجود القفص (الدولة والتخطيط المركزي)، وهو ما نجحت فيه مصر من خلال التميز فى تطبيق مفهوم الدولة التنموية، وبعقلية متزنة تمنع الطائر من الطيران بعيدًا، أو التسبب فى الفوضى الرأسمالية التى قد تهدد استقرار النظام التنموى والاجتماعى، مع السماح للسوق بالنمو والابتكار ولكن تحت شروط وضوابط. وتم التأكيد على أهمية وضع الآليات للتعديل الديناميكى لحجم القفص، سواء عبر التعديل القائم على تقلبات السوق بدلًا من تثبيت حدود «القفص»، يتم توسيعها أو تضييقها بناءً على مؤشرات التقلب، أو عبر التتبع الديناميكى لمركز الثقل، فعندما يتحرك السعر مثلًا بقوة فى اتجاه معين، لا يجب أن يظل القفص ثابتًا فى مكانه الأصلى. لذلك نرى أنه مع انعقاد منتدى مصر 2026 أن تبنى هذه الاستراتيجية يمثل نموذجًا تنمويًا مهمًا فى ظل السعى نحو تحقيق نمو اقتصادى سريع، وضمان الحفاظ على الاستقرار والسيادة الوطنية.كما أنه من المتوقع أن تساعد هذه الاستراتيجية الدولة المصرية فى تحقيق التوازن بين الانفتاح والاستقرار، والاستفادة من مزايا السوق الحرة، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحفيز الابتكار (طيران الطائر)، مع تجنب «الفوضى الرأسمالية» أو الأزمات المالية المفاجئة، وذلك بفضل وجود توجيه ورقابة صارمة من الدولة (حدود القفص). أيضًا ستساعد هذه الاستراتيجية على حماية السيادة الوطنية والاقتصادية، سواء من هيمنة الشركات متعددة الجنسيات أو الشروط القاسية للمؤسسات المالية الدولية خاصة صندوق النقد الدولى. مع توجيه الاستثمارات نحو التنمية الحقيقية بدلًا من ترك قوى السوق توجه الأموال نحو قطاعات استهلاكية أو عقارية سريعة الربح فقط. وبالتالى سيساعد ذلك فى منع الفجوات الطبقية الحادة والحفاظ على السلم الاجتماعى، وهو هدف أصيل فى دستور مصر 2014. لذلك فإن القفص التنظيمى للدولة المصرية سوف يضمن إعادة توزيع العوائد وتوجيه التنمية نحو المناطق الأكثر فقرًا، مما يحمى الطبقات الهشة ويدعم شبكات الأمان الاجتماعى، ويساعد فى نجاح أعظم مشروع لمصر فى القرن الحادى والعشرين وهو مشروع حياة كريمة. ويبقى سعى الدولة المصرية إلى تعديل حجم القفص وتوسيع خطوطه من خلال السياسات التنافسية أو القوانين الجديدة، بعد أن أشارت تقارير دولية إلى أنه فى الاقتصاد الحر المطلق، تعجز الشركات المحلية فى الدول النامية عن منافسة الشركات العالمية الضخمة، وبالتالى فإن استراتيجية قفص الطيور، سوف تتيح للدولة وضع الشريعات والحواجز الجمركية اللازمة لحماية وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات التى تخدم الأمن القومى والتنمية المستدامة. وهو ما سوف نتناوله فى المقال القادم إن شاء الله.