الكذب حرااام!!
فى أواخر القرن التاسع عشر ظهر فى ألمانيا حصان يدعى «كليفر هانس»، يمتلك قدرات خارقة جذبت إليه الجماهير الأوروبية وأدهشتهم؛ فكان «هانس» يستطيع إجراء العمليات الحسابية، فإذا طلب منه أن يقوم على سبيل المثال بقسمة العدد 48 على الرقم 6، فسوف يدق بقدميه ثمانى مرات، ليس هذا فقط بل يستطيع إجراء عمليات الضرب والجمع وتهجئة الحروف أيضًا، وفسر الجمهور وبعض علماء النفس والباحثون فى مجال «الظواهر الخارقة للطبيعة» وقتها، أن هذا الحصان الشهير إما أن يكون أكثر ذكاءً من بعض البشر، أو أنه يلتقط الأفكار عن طريق عملية التخاطر!.
وفى عام 1904 دُعيَ الفيلسوف وعالم النفس الشهير «كارل شتومبف» ليحلل أداء هذا الحصان، ولم يجد دليلًا واضحًا على عملية خداع تحدث، مما زاد إعجاب تلك الحشود من الجماهير، وبعد ثلاث سنوات قام «أوسكار بفونجست» مساعد «شتومبف» باختبار أكثر صرامة، فلاحظ أن الحصان لا يستطيع تقديم الإجابة الصحيحة إلا فى وجود مدربه بالقرب منه، وعندما يكون «هانس» قادرًا على رؤيته، شرط أن يكون هذا المدرب على دراية بإجابة السؤال المطروح فقط، ليكتشف«بفونجست» فى النهاية سر هذا الحصان العجيب بعد مراقبة تعابير وجه مدربه، فلاحظ أن الحصان كان يستمر فى دق قدميه بالأرض حتى يتغير تعبير وجه المدرب قليلًا وعندها يتوقف عن الدق، لم يكن بإمكان «كليفر هانس» قراءة أفكار الناس أو حل المعادلات الرياضية كما اعتقد البعض، لقد كان «هانس» ببساطة مُراقبًا جيدًا لوجوه البشر!
لم يكن «كليفر هانس» الحالة الفريدة التى أثارت إعجاب الجمهور وعلماء «علم نفس الخوارق»، فكانت هناك الفرس «ليدى وندر- قارئة الأفكار» فى الولايات المتحدة التى اشتهرت بعملية التنبؤ ومعرفة الوقت وحل المسائل الرياضية أيضًا، وبدأت قصة «ليدى وندر» عام 1925، عندما لاحظت مالكتها، السيدة كلوديا فوندا، أن الفرس التى اشترتها وهى فى عمر أسبوعين كانت تأتى بمجرد أن تفكر فى مناداتها!
لم يقتصر الأمر على «كليفر هانس، وليدى وندر»، فكان هناك «رولف» فى ألمانيا، وهو كلب حصل عليه صاحبه من ملجأ للحيوانات عام 1911، واشتهر عالميًا بقدرته على «التحدث» عن طريق النقر بمخالبه لتشكيل الحروف، بجانب موهبته الفذة فى إجراء العمليات الحسابية، وكتب عنه الفيلسوف «فريدريك سكوت شيلر»، الذى أمضى معظم حياته المهنية فى جامعة أكسفورد، وكان عضوًا نشطًا فى جمعية البحوث النفسية، مقالًا عام 1914 يصفه بـ«الكلب المفكر»، وزعم البعض أن هذا الكلب أعلن إيمانه!
لم تكن تلك الحيوانات تمتلك قدرات خارقة للطبيعة، لم تكذب علينا ولم تخبرنا بأنها تستطيع التنبؤ بالأفكار أو إجراء العمليات الحسابية، لم تدعِ يومًا أن لديها قدرات إدراكية «فوق حسية» بالتخاطر، نحن من أردنا أن نصدق تلك الأكاذيب فصدقناها، وتجمعنا حولها ثم آمن البعض بها، صحيح أن عالم الحيوان يعرف طُرق الخداع وأساليب التمويه والتضليل كى يهرب من خطر يلاحقه أو لمجرد الحصول على طعام ليسد جوعه، لكنه عالم لم يعرف الكذب الذى يعيشه عالم الإنسان، لا يوجد فى قاموس هذا العالم مصطلحات الفساد والغش والتضليل والتدليس، لم نجد يوماً حماراً يخبر أقرانه بأنه صار أسداً، ولم نرَ ذئباً ادعى أنه حمل، لا تعرف تلك الحيوانات أن تقول مثلنا كل شىء على ما يرام وهى ليست كذلك.
تقول الأساطير كما ذكر«ميشيو كاكاو» فى كتابه «فيزياء المستحيل» ترجمة د. سعد الدين خرفان، إن أول جهاز لكشف الكذب فى العالم صنعه رجل هندى منذ عدة قرون، كان هذا الرجل يضع المتهم مع «حمارسحري» فى غرفة مغلقة، مع تعليمات أن يشد ذيل هذا الحمار السحرى، فإذا بدأ الحمار بالنهيق فمعنى ذلك أن المتهم كاذب، وإذا بقى صامتًا فإن المتهم يقول الحقيقة، لكن رجل الدين كان يضع سرًا «السخام» وهو«الفحم، أو المادة السوداء التى تنشأ عن الاحتراق» على ذيل الحمار، وبعد أن يؤخذ المتهم من الغرفة يدعى أنه برىء لأن الحمار لم ينهق عندما شد ذيله، لكن رجل الدين يقوم بفحص يدى المتهم، فإذا كانت اليدان نظيفتين فإن هذا الرجل كاذب!
ختامًا: رغم تطور أساليب الكذب، وازدياد قدرة البعض على إخفاء كذبهم، يكفيك فقط أن تتابع وجوه البشر كى تعرف الحقيقة، فنحن نصدق الأكاذيب لأننا نريد أن نصدقها.
أخيرًا: الكذب حرااام.. كفاية كذب!