مبانٍ أثرية ومقابر تاريخية ومساجد
القاهرة التاريخية.. بين ذاكرة الماضى وضرورات التطوير
اليونسكو سجلتها ضمن مواقع التراث العالمى عام 1979 ومصر حاولت تقليص مساحتها فى 2023
خبراء: الحفاظ على القاهرة واجب وطنى لأهميتها السياحية والتاريخية
القاهرة التاريخية ليست مجرد شوارع قديمة ومبانٍ عتيقة، بل ذاكرة مدينة تختزن قرونًا من التاريخ، وتروى بين مساجدها ومدارسها وبيوتها وجباناتها حكايات حضارة صنعت ملامح العاصمة وهويتها. غير أن هذه الذاكرة تواجه تحديات متشابكة مع تسارع التغيرات العمرانية وامتداد أعمال الهدم إلى أجزاء من المقابر التاريخية، لتتصاعد المخاوف بشأن مصير شواهد لا يمكن تعويضها إذا طُمست أو اندثرت.
وبين مقتضيات التنمية وضرورة الحفاظ على الموروث الحضارى، تبرز معضلة كيفية تطوير المناطق التاريخية دون الإخلال بملامحها الأصيلة، خاصة أن قيمتها لا تنحصر فى مبنى أثرى أو معلم معمارى منفرد، وإنما تمتد إلى النسيج العمرانى الذى يربط بين عناصرها ويمنحها طابعها المميز. فالحفاظ على القاهرة التاريخية لا يعنى تجميد الحياة داخلها، كما أن التطوير لا ينبغى أن يكون مرادفًا لمحو شواهد الماضى، بل يتطلب رؤية متكاملة توازن بين حماية التراث وتحسين جودة الحياة وتلبية احتياجات السكان.
وتتجاوز القضية حدود ترميم المبانى وصيانة الآثار إلى مستقبل مناطق كاملة تحمل قيمة تاريخية وثقافية، وفى مقدمتها المقابر التاريخية التى تمثل جانبًا من ذاكرة المدينة، بما تضمه من شواهد وعناصر معمارية وفنية مرتبطة بتاريخها الاجتماعى والحضارى. وهو ما يفرض ضرورة التقييم العلمى لهذه المواقع، والتمييز بين العناصر التى تستحق الحماية، ووضع حلول تخطيطية تراعى قيمتها التاريخية ومتطلبات التنمية العمرانية.

ووفقًا لمنظمة اليونسكو تُعد القاهرة التاريخية إحدى أهم وأكبر المدن التراثية الحية المسجلة على قائمة التراث العالمى منذ عام 1979 نظرًا لما تحتويه من شواهد معمارية رائعة، فالقاهرة التاريخية ليست مجرد مدينة ولكنها تاريخ عابر للأزمان، فمنذ تأسيسها على يد القائد جوهر الصقلى عام 969م فى عهد الخليفة المعز لدين الله الفاطمى، وهى تشهد توسعات جعلتها شاهدة على عصور تاريخية عديدة، وتحتوى القاهرة على العديد من المواقع والمعالم الأثرية من العصور المختلفة. وبعضها أدرجته منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمى مثل: مقياس النيل فى جزيرة الروضة ومسجد عمرو بن العاص والكنيسة المعلقة ومعبد بن عزرا، وجامع ابن طولون والقلعة والمنشآت الفاطمية بالقاهرة ومقابرها ومقام الإمام الشافعى ومقام السيدة نفيسة وضريح قايتباى وفقًا لبيانات وزارة السياحة المصرية.
تضارب
ومنذ عدة سنوات تبنت الحكومة مشروع إحياء القاهرة التاريخية وتطويرها مع الاهتمام بمنطقة القاهرة الخديوية وتطوير منشآتها أيضًا، وفى الوقت الذى تسير فيه أعمال التطوير على قدم وساق تقدمت الحكومة فى عام 2023 بطلب لمنظمة اليونسكو بتعديل مساحة القاهرة التاريخية المسجلة فى المنظمة الدولية، وهو ما تم رفضه، ولكن هذا الموقف كشف عن التضارب الكبير فى أداء الحكومة.
وما زالت المنطقة التاريخية تناضل من أجل البقاء تحت معاول الهدم والتجريف.
وفى هذا السياق، تبرز أهمية تكامل أدوار المتخصصين فى الآثار والتخطيط العمرانى والتنسيق الحضارى، إلى جانب تعزيز الوعى المجتمعى بقيمة التراث، باعتباره ثروة ثقافية واقتصادية يمكن أن تسهم فى تنشيط السياحة وتوفير فرص العمل، شريطة الحفاظ على أصالته وعدم التفريط فى مقوماته.

حماية القاهرة التاريخية
من هنا أكد الدكتور أحمد عامر، الخبير الأثرى والمتخصص فى علم المصريات، أن الحفاظ على القاهرة التاريخية يتطلب رؤية متكاملة لا تقتصر على حماية المبانى الأثرية منفردة، وإنما تمتد إلى صون النسيج العمرانى والطابع المعمارى الذى تشكل عبر قرون، ويمنح المدينة هويتها الحضارية المميزة.
وأوضح أن القاهرة تتمتع بقيمة تاريخية ومعمارية استثنائية، إذ بلغت ذروة ازدهارها خلال القرن الرابع عشر، وأصبحت مركزًا بارزًا للحضارة الإسلامية، بما تضمه من آثار ومبانٍ تاريخية وشواهد معمارية تعكس تطور الحياة الثقافية والعمرانية عبر العصور. مشيرًا إلى أن أهمية المدينة لا تنبع من قيمة منشآتها التاريخية فحسب، بل من تكامل عناصرها العمرانية والتراثية التى تشكل جزءًا أصيلًا من هويتها.
وأضاف أن الحفاظ على هذا التراث يقتضى التعامل مع المناطق التاريخية باعتبارها نسيجًا متكاملًا، مع مراعاة طبيعة المبانى والشوارع والفراغات العمرانية والعلاقات البصرية التى تربط بينها، بما يضمن الحفاظ على الطابع الأصيل للمدينة، وعدم الإخلال بخصائصها المعمارية والتاريخية.
ولفت إلى أن المناطق ذات القيمة التاريخية تواجه تحديات ترتبط بالتغيرات العمرانية والتدخلات التى قد تؤثر فى ملامحها الأصلية، وهو ما يستدعى الاهتمام بالتخطيط العمرانى والحفاظ على الهوية البصرية، وتحقيق التوازن بين متطلبات التطوير وصون الموروث الحضارى.
وفيما يتعلق بالأطر القانونية لحماية التراث، أوضح عامر أن قانون حماية الآثار يختص بحماية الآثار والمواقع الخاضعة لإشراف المجلس الأعلى للآثار، وينظم أعمال صيانتها والحفاظ عليها، ويحظر التعدى عليها أو إتلافها، بينما يمتد نطاق عمل التنسيق الحضارى إلى المبانى والمناطق ذات القيمة التراثية والمعمارية والفنية المتميزة، حتى إن لم تكن مصنفة آثارًا بالمعنى القانونى.
وأكد أن التراث أوسع نطاقًا من الآثار، إذ يشمل عناصر عمرانية ومعمارية تحمل قيمة تاريخية وثقافية، وتستحق الحماية حتى إن لم تندرج ضمن التصنيف الأثرى، موضحًا أن دور التنسيق الحضارى يتمثل فى الحفاظ على الهوية البصرية والعمرانية للمناطق المتميزة، ومنع تشويه مبانيها أو إزالة عناصرها ذات القيمة بما يخل بطابعها الأصلى.
وشدد على أهمية التكامل بين الجهات المعنية بحماية الآثار والتنسيق الحضارى والتخطيط العمرانى، بما يضمن التعامل مع كل منطقة وفقًا لطبيعتها وقيمتها التاريخية، ويحافظ على التراث المصرى باعتباره ثروة حضارية لا تقدر بثمن، وحقًا للأجيال المقبلة.

التطوير يبدأ بالإنسان
والتقط أطراف الحديث الدكتور محمود إبراهيم حسين، أستاذ الآثار بجامعة القاهرة، موضحًا أن الحفاظ على القاهرة التاريخية وصون هويتها الحضارية مسئولية تتطلب التعامل مع المنطقة باعتبارها نسيجًا عمرانيًا متكاملًا، لا مجرد مجموعة من المبانى والآثار المنفصلة، مشيرًا إلى أن دول العالم كله تحرص على حماية المدن التاريخية والحفاظ على معالمها القديمة وترميمها، لما تمثله من قيمة ثقافية وحضارية، فضلًا عن كونها مقاصد سياحية مهمة.
وأوضح أن القاهرة تمتلك تراثًا عمرانيًا استثنائيًا، يجمع بين المبانى التاريخية والشوارع والميادين والمنشآت الدينية والمدنية التى تعكس مراحل مختلفة من تاريخها، لافتًا إلى أن القاهرة الخديوية تمثل بدورها نموذجًا معماريًا متميزًا تأثر بالطرز الأوروبية، خاصة باريس وفيينا، وهو ما يجعل الحفاظ على طابعها المعمارى ضرورة لصون هويتها التاريخية وتعزيز جاذبيتها السياحية.
وأضاف أن جهود تطوير القاهرة التاريخية ينبغى أن تقوم على رؤية شاملة تجمع بين ترميم المبانى الأثرية وتحسين البيئة العمرانية المحيطة بها، إلى جانب توفير الخدمات الأساسية للسكان، بما يضمن الحفاظ على القيمة التاريخية للمنطقة، وفى الوقت نفسه تحسين ظروف المعيشة بها.
وأشار إلى أن التعامل مع المناطق التاريخية شهد تحولًا نحو الاهتمام بالمبنى الأثرى ومحيطه العمرانى والإنسان الذى يعيش فيه، بعدما كانت بعض مشروعات الترميم تركز على المنشأة الأثرية وحدها دون معالجة المشكلات المحيطة بها، وهو ما قد يقلل من جدوى أعمال الترميم على المدى الطويل.
وأوضح أن تطوير المناطق المحيطة بالمساجد الأثرية والمدارس التاريخية والتكايا والمنشآت التراثية، وتحويل بعض المساحات المهملة إلى أماكن تقدم الخدمات للسكان والزوار، يسهم فى تنشيط الحركة السياحية، ويتيح للزائر الاستمتاع بالتجربة التراثية بصورة متكاملة، من خلال المطاعم والمقاهى ذات الطابع التراثى ومحال المنتجات والحرف التقليدية، إلى جانب زيارة المعالم الأثرية.
وشدد أستاذ الآثار بجامعة القاهرة على أن الحفاظ على القاهرة التاريخية لا ينفصل عن تحسين الأوضاع المعيشية لسكانها، مؤكدًا على ضرورة توفير المرافق والخدمات الأساسية، ومعالجة مشكلات المبانى المتهالكة، وتهيئة مساكن ملائمة تضمن حياة كريمة للأهالى، بما يساعد على استقرار المجتمعات المحلية والحفاظ على ارتباطها بالمكان.
ولفت إلى أهمية رفع الوعى المجتمعى بقيمة التراث، وتعريف السكان بأن حماية المناطق التاريخية لا تقتصر على صون الماضى، وإنما ترتبط أيضًا بمصالحهم الاقتصادية والاجتماعية، إذ تمثل السياحة التراثية والحرف اليدوية والصناعات التقليدية فرصًا لتوفير فرص العمل وتحسين دخول أبناء هذه المناطق، فضلًا عن إسهام النشاط السياحى فى دعم الاقتصاد الوطنى.
وفيما يتعلق بالمقابر التاريخية وما تعرضت له بعض أجزائها من أعمال هدم، أكد حسين أن المقابر ذات القيمة التاريخية والتراثية تستحق الحماية والتعامل معها وفقًا لأهميتها، مشيرًا إلى أن العديد من دول العالم تحافظ على جباناتها التاريخية وتعمل على صونها وإتاحتها للزيارة، باعتبارها جزءًا من الذاكرة التاريخية والعمرانية للمدن.
وأوضح أن الحفاظ على هذه المناطق يتطلب تخطيطًا علميًا مدروسًا يحدد قيمة العناصر التاريخية الموجودة بها، ويضع آليات مناسبة لحمايتها وصيانتها، مع مراعاة احتياجات العمران الحديث ومتطلبات التنمية، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على الموروث التاريخى وتنظيم استخدامات الأراضى وتطوير المناطق المحيطة.
وأضاف أن التعامل مع المقابر التاريخية يجب أن ينطلق من تقييم علمى لقيمة كل موقع وما يضمه من شواهد وعناصر معمارية وتاريخية، مع الحفاظ على كل ما يمثل قيمة تراثية، ودراسة البدائل التخطيطية التى تسمح بتطوير المنطقة دون التفريط فى مكوناتها ذات الأهمية التاريخية.
وأكد أن تحقيق هذا التوازن يتطلب تنسيقًا بين الجهات المعنية بالآثار والتخطيط العمرانى والمحليات، بحيث تتكامل جهود الحماية والترميم مع خطط التنمية، وتُعالج المشكلات العمرانية والخدمية دون الإضرار بالهوية التاريخية للمنطقة، مشددًا على أن الهدف هو الحفاظ على التراث المصرى وإعادة تقديمه فى صورة حضارية تليق بقيمته، مع ضمان استدامته للأجيال المقبلة.