بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

معالجة المعادن في إفريقيا تجذب الاستثمارات.. نقص الكهرباء يهدد خطط التصنيع المحلي

مصنع في منجم ليثيوم
مصنع في منجم ليثيوم في مقاطعة جورومونزي شرق هاراري

تتجه الدول الأفريقية إلى تعزيز الاستثمارات في معالجة المعادن وتصنيعها محليا، سعيا إلى تعظيم القيمة المضافة لثرواتها الطبيعية، بدلا من الاعتماد على تصدير الخامات في صورتها الأولية، إلا أن نقص إمدادات الكهرباء وارتفاع تكلفتها يمثلان تحديا رئيسيا أمام تحويل هذه الطموحات إلى مشروعات صناعية قادرة على المنافسة عالميا.

غينيا تستهدف إنشاء 5 مصاف للألومينا بحلول 2030.. وجنوب أفريقيا تقدم نموذجا لتأثير ارتفاع تكاليف الطاقة على الصناعة

وبحسب تحليل نشرته وكالة رويترز، تسعى حكومات أفريقية إلى جذب الاستثمارات في مصافي المعادن ومصاهرها من خلال حوافز ضريبية وتسهيلات في الحصول على حقوق التعدين، إلى جانب إجراءات تستهدف تشجيع الشركات على إقامة منشآت المعالجة داخل القارة، بما يدعم الصناعات التحويلية ويوفر فرص عمل جديدة.

وتحظى هذه المشروعات باهتمام مؤسسات تمويل دولية وإقليمية، من بينها المؤسسة الأمريكية لتمويل التنمية الدولية ومؤسسة التمويل الأفريقية، في وقت تتزايد فيه أهمية معالجة المعادن المستخدمة في الصناعات الاستراتيجية، مثل الألومنيوم والصلب والبطاريات، لكن نجاح هذه الاستثمارات يرتبط بتوافر الطاقة والمواد الخام واستقرار السياسات الاقتصادية ووجود أسواق قادرة على استيعاب الإنتاج.

تمثل غينيا نموذجا بارزا للدول الأفريقية التي تسعى إلى الانتقال من تصدير الخامات إلى التصنيع المحلي، بعدما تجاوزت أستراليا لتصبح أكبر منتج ومصدر للبوكسيت عالميا، وهو الخام الأساسي المستخدم في إنتاج الألومينا التي تدخل بدورها في صناعة الألومنيوم المستخدم في قطاعات النقل والبناء والتغليف.

وقال داودا دياكيتي، كبير مستشاري وزير المناجم في غينيا، إن ثلاث مصاف للألومينا قيد الإنشاء، فيما تستهدف الحكومة إنشاء خمس مصاف بحلول عام 2030، بطاقة إنتاجية سنوية إجمالية تتراوح بين 7 و8 ملايين طن، تمهيدا للتوسع لاحقا في إنشاء مصاهر الألومنيوم.

وتعمل الحكومة الغينية على تشجيع المستثمرين على إقامة منشآت صناعية مرتبطة بقطاع التعدين، من خلال ربط بعض فرص الحصول على البوكسيت بالاستثمار في المصاهر أو السكك الحديدية، مع تقديم حوافز تشمل حقوق التعدين وإعفاءات ضريبية محددة.

كما تسعى البلاد إلى تطوير مشروعات لمعالجة خام الحديد وإنتاج كريات الحديد، في إطار خطة تستهدف التوسع مستقبلا في إنتاج الصلب، بما يسمح بالاستفادة من الموارد المعدنية محليا وزيادة العائد الاقتصادي منها.

وتختلف هذه الاستراتيجية عن تجربة إندونيسيا التي استخدمت حظر تصدير النيكل غير المعالج لدعم إقامة مصاهر محلية وجذب استثمارات في الصناعات المرتبطة بالبطاريات، إذ لم تطبق غينيا حتى الآن القيود التي أعلنت رغبتها في فرضها على صادرات البوكسيت.

رغم خطط التوسع الصناعي، تواجه غينيا تحديا يتعلق بمحدودية إمدادات الكهرباء مقارنة بالاحتياجات المتوقعة للمشروعات الجديدة.

ووفقا لدياكيتي، تنتج البلاد نحو ألف ميجاوات من الكهرباء، معظمها من الطاقة الكهرومائية، في حين تحتاج إلى ما بين 5 آلاف و10 آلاف ميجاوات لدعم التصنيع، بما يشمل مشروعات إنتاج الألومنيوم.

وتصدر غينيا الكهرباء إلى السنغال وجامبيا وغينيا بيساو خلال موسم الأمطار، الممتد تقريبا من أبريل ومايو إلى نوفمبر، لكنها تضطر إلى استيراد الكهرباء من ساحل العاج أو السنغال خلال فترات الجفاف.

وأكد دياكيتي أن توفير طاقة مستدامة ومستقرة يمثل شرطا أساسيا لجذب الاستثمارات الصناعية، مشيرا إلى بحث بلاده عن حلول متنوعة تشمل الغاز والفحم والطاقة النووية، وفقا للجدوى الاقتصادية لكل مشروع.

وتكشف هذه الأرقام عن حجم الفجوة بين قدرات الطاقة الحالية ومتطلبات التصنيع المستهدف، إذ إن إقامة مصافي الألومينا ومصاهر الألومنيوم تحتاج إلى بنية تحتية قادرة على توفير الكهرباء بصورة مستمرة، وبأسعار تسمح للمنتجات بمنافسة مثيلاتها في الأسواق العالمية.

تقدم صناعة الفيروكروم في جنوب أفريقيا مثالا على تأثير ارتفاع تكاليف الكهرباء في القدرة التنافسية للصناعات المعدنية، إذ أغلقت عشرات المصاهر خلال السنوات الماضية، في ظل زيادة تكلفة الكهرباء بنحو عشرة أمثال منذ عام 2008.

وقال مزيلا مثينجاني، الرئيس التنفيذي لمجلس المعادن في جنوب أفريقيا، إن أقل من 12 مصهرا من أصل 66 مصهرا للفيروكروم لا يزال يعمل في البلاد، مشددا على أهمية توافر الطاقة بصورة موثوقة وبتكلفة مناسبة لدعم التصنيع.

وتزداد أهمية هذه المسألة بالنظر إلى امتلاك جنوب أفريقيا أكثر من 70% من الاحتياطيات المعروفة عالميا من الكروم، في حين تتصدر الصين إنتاج الفيروكروم، مستفيدة من قدرات معالجة ضخمة ومصادر كهرباء منخفضة التكلفة.

وتوضح هذه التجربة أن امتلاك الموارد المعدنية وحده لا يضمن تحقيق عائد صناعي مرتفع، ما لم يصاحبه توافر الطاقة والبنية التحتية اللازمة للإنتاج، إلى جانب القدرة على منافسة المنتجين الدوليين من حيث التكلفة والجودة.

وامتدت تحديات الطاقة إلى موزامبيق، حيث وضعت شركة "ساوث32" الأسترالية مصنعها للألومنيوم في حالة صيانة خلال العام الجاري، بعد أن تسبب الجفاف في نقص إمدادات الكهرباء.

في سياق متصل، حدد محمد زادة، مساعد وزير الصناعة للصناعات الاستراتيجية في مصر، أربع ركائز رئيسية تحظى باهتمام المستثمرين في مشروعات معالجة المعادن، تشمل توافر المواد الخام بصورة موثوقة، والطاقة، واستقرار السياسات، ووجود مشترين ملتزمين بشراء الإنتاج.

وأوضح زادة أن نجاح المشروعات الصناعية يتطلب توافر هذه العناصر بصورة متكاملة، محذرا من التركيز على عامل واحد وإغفال بقية المتطلبات التي تحدد الجدوى الاقتصادية للاستثمار.

من جانبه، أشار فرانكلين إيدوتشي، نائب المدير ورئيس قطاع التعدين في مؤسسة التمويل الأفريقية، إلى أن التمويل يمثل عاملا إضافيا مهما، خاصة أن المشروعات التي تستهدف إنتاج مواد ذات قيمة مضافة تحتاج إلى استثمارات قد تصل إلى مليارات الدولارات.

وأضاف أن القارة الأفريقية تمتلك قدرات لإنتاج منتجات عالية الجودة، كما تتوافر لها فرص للوصول إلى مشترين، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى توسع صناعي مستدام يتطلب معالجة تحديات الطاقة والتمويل وتأمين الخامات.