بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

مَن يوقف هذا العالم عن تحطيم نفسه؟


أقرأ الأخبار صباحًا، فأشعر أحيانًا أننى قرأتها قبل سنوات طويلة. تتبدّل أسماء المدن، وتتغيّر وجوه القادة، وتزداد الصور وضوحًا، لكن الرجل الذى يحمل طفلًا من تحت الأنقاض أعرفه، والمرأة التى تقف أمام بيتها المهدوم رأيتها من قبل. كأن التاريخ يعيد إلينا ضحاياه، ويسألنا عمّا فعلناه بالشهادة الأولى.
يُحزننى فى عالمنا أنه يكدّس المعرفة، ثم يمشى إلى الحفرة نفسها. نقرأ كيف اندلعت الحروب، ونرى صور الجنود فى الخنادق والأطفال تحت الركام، ونعرف كيف بدأت الطريق إلى المقبرة بكلمة جرّدت الجار من اسمه ووجهه. نملأ الرفوف بالكتب، ونحفظ شهادات الناجين، ونفتح المحاكم والمتاحف؛ ثم يصعد زعيم إلى المنصة، ويَعِد الحشود بمجدٍ يعيد لبلادهم مكانها فى الصدارة، فترتفع الأعلام ويعلو الهتاف: «ألمانيا فوق الجميع über alles » أو «أمريكا أولًا».
من غزة إلى السودان، وصولًا إلى جراح أوكرانيا، تتعدد المسؤوليات، ولا تتساوى مواقع المعتدى والضحية. وفى غزة، تجاوز التدمير الإسرائيلى قتل البشر إلى تقويض مقوّمات بقائهم: بيوت تُسوّى بالأرض، ومستشفيات تُدمَّر أو تُعطَّل، ومدارس تتحول لملاجئ ثم يلحق بها القصف، ومساجد وكنائس لا تنجو حجارتها ولا مَن احتموا بها. وقد خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين فى القطاع، شملت القتل وفرض ظروف معيشية ترمى إلى تدميرهم، كليًّا أو جزئيًّا. وما يضاعف مرارة المشهد أن القوى الغربية الكبرى، وفى مقدمتها الولايات المتحدة، أخفقت فى تسخير نفوذها لحماية السكان ووقف موجات القتل؛ بل واصلت واشنطن وحكومات غربية إمداد إسرائيل بالسلاح، وإن تفاوتت مواقف هذه الدول وإجراءاتها. وبين التعبير عن القلق واستمرار الإمداد العسكري، اتسعت الهوّة التى سقطت فيها أرواح الفلسطينيين، وسقط معها صدق الكلام عن حقوق الإنسان. وحين يُهدم البيت والمستشفى والمدرسة ودار العبادة، يُحرم الإنسان موضع نومه، وفرصة علاجه، ومستقبل أطفاله، والمكان الذى يرفع فيه صلاته حين تضيق به الأرض.
وأتأمل أمريكا بحيرة وقلق: تلوّح بقبضتها كلما خالفها أحد، وتهدّد صديقها بإغلاق السوق فى وجهه إن لم يسايرها، وتغادر مائدة التفاوض قبل أن يفرغ الجالسون من كلامهم، ثم ترسل السفن الحربية لتقول ما لم تصبر على قوله.
أحيانًا أسأل نفسي: ماذا فعلت بنا قراءة التاريخ؟ هل جعلتنا أقدر على تمييز الكارثة، أم أقدر على وصفها بعد وقوعها؟ كم مرة ينبغى أن يُدفن الأطفال والعزل كى يخجل المقاتلون من لغة الانتصار؟
ومع ذلك، أقاوم أن أترك الصفحة لليأس. أفكر فى طبيب يعود إلى مستشفاه، ومعلم يجمع الأطفال، وجار يقسم رغيفه. هؤلاء أيضًا يصنعون التاريخ، وإن تأخرت أسماؤهم عن الوصول إلى كتبه. وحين يخفت دوى المدافع، سيقف طفل أمام باب مدرسة، حاملًا كراسته. أريد لهذا العالم، بكل ما جمعه من معرفة وثروة، أن يستطيع إبقاء ذلك الباب مفتوحًا.