المجالس العرفية في مصر.. بديل للصلح أم خطر يستدعي التنظيم؟
عُقدت جلسة عرفية بمحافظة الجيزة للتوفيق والصلح بين عائلتين بعد مشاجرة ضخمة، كل الأمور كانت عادية إلا أن ما حدث في داخل الجلسة لم يكن عاديًا، فتحولت جلسة الصلح إلى مسرح للجريمة، وبعد أن كانت القضية محل الخلاف مجرد مشاجرة، تحولت لـ جريمة قتل داخل المجلس بسبب مشاحنات تصاعدت وتيرتها على هامش الجلسة العُرفية وأسفرت عنها وقوع قتيل.
لم تكن هذه الواقعة حالة منفردة، بل واقع مُتكرر في مختلف المحافظات من صعيد مصر للدلتا، وخلال الـ 20 سنة الماضية، رصدنا 10 وقائع لجرائم قتل وعنف، لها صلة مباشرة بجلسات عرفية، البعض منها وقع خلال جلسة الصلح نفسها، وبعضها وقع بعدها بسبب النزاع أو نتيجة عدم الالتزام بالصلح.
وفي الجلسات العرفية، تُدار الخصومات العائلية عبر آليات تعتمد على الصلح والتوافق، وتتفاوت فيها الأحكام الصادرة، تصل إلى إصدار أحكام مالية أو قرارات تتعلق بمصير أطراف النزاع.
والعُرف هو قانون غير مكتوب، والالتزام به يتطلب عدة أمور، فعلى سبيل المثال تنفيذ أحكام المجالس العُرفية يتطلب أن يكون رؤساؤها يتمتعون بالنفوذ، ويمتلكون أدوات القوة، فهي بديلة عن المحاكم الرسمية والأجهزة الشرطية، بحسب الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي.
من يدعو للمجلس العرفي؟
يلجأ الطرفان المتنازعان للمجلس العُرفي، لحل القضية محل الخلاف، بدلًا من اللجوء للقضاء والمحاكم الرسمية، رغبة منهم للحل الودي لمنع تفاقم الخلافات وحقنًا للدماء، ويتكون المجلس العرفي من قاضيًا وعدد من الأعضاء، يسمعون جميع الأطراف ثم يشرعون في التداول فيما بينهم ثم إصدار الحكم بما يرونه محقق للعدل، بهدف منع العداوة بين العائلات، بحسب حسن عبدالمنعم عبدالدايم، أشهر قاضي عُرفي بالجيزة.

واختيار المحكمين كما ذكر الحاج جابر عبد العزيز، قاضٍ عرفي بمحافظة المنيا بصعيد مصر، قد يتم من جانب طرفي النزاع، على أن يكون العدد متساويًا بينهما، بينما قد يتولى صاحب المكان أو الديوان الذي تُعقد فيه الجلسة اختيار المحكمين للطرفين. ويرى أن زيادة عدد المحكمين عن الحد المناسب قد تؤثر في سير الجلسة وتزيد من احتمالات الخلاف.
تبدأ الجلسة العرفية بمنح كل طرف مساحة كاملة لعرض روايته دون مقاطعة الطرف الآخر، ثم يُسمح بالتعقيب على ما يرد في رواية الخصم، قبل الانتقال إلى الاستماع إلى الشهود وفحص ما يقدمه كل طرف من أدلة أو بينات، بحسب الحاج جابر عبد العزيز.
إجراءات المجلس العُرفي
وجلسة الصلح تبدأ بتحديد طلبات أطراف النزاع وطبيعة الخلاف، ثم اتخاذ مجموعة من الإجراءات التي يرى أنها تنظم عمل اللجنة، ومن بين هذه الإجراءات إحضار دفتر شيكات وتوقيعات على شيكات، كضوابط للجلسة وإقرار بعدم وجود أوراق أخرى لديهم لدى اللجنة، وتحرير مستندات تتعلق بالطرفين المختلفين، وتشكيل ما يُعرف بـ"اللجنة العرفية"، بحسب صالح هواش، المحكّم العرفي بالغربية.

وقائع موثقة تكشف تحول الجلسات العرفية لمسرح للجريمة
لا توجد إحصائية رسمية مركزية ترصد هذا النوع من الوقائع على مستوى الجمهورية، ولذلك يعتمد التحقيق على الحالات التي أمكن توثيقها من المحاضر والقضايا والأحكام والمصادر الرسمية أو والصحف التي نقلت عنها.
جرائم وقعت أثناء جلسات الصلح
وهناك عدد من الجلسات التي وقع على هامشها وخلال انعقادها جرائم عنف وصلت إلى زهق الأرواح واحداث وفيات واصابات بالغة، ففي العام 2014، شهدت المطرية إطلاق نار خلال سياق جلسة الصلح، كما شهدت منطقة حدائق القبة في 2022، وقوع 3 قتلى و3 مصابين، وفي كوم حمادة بالبحيرة 2024، أسفر عن إحدى جلسات المجلس العُرفي مقتل محكم عرفي وإصابة آخر، وهناك في الإسماعيلية، قُتل سائق أثناء جلسة عرفية.

آليات إصدار الأحكام العرفية وحدودها
وتحصل اللجنة بحسب هواش، على إقرار من الطرفين بعدم وجود أوراق أو مستندات أخرى لديها تتعلق بالنزاع، وبعد ذلك، تبدأ اللجنة في بحث المسؤولية وتحديد الطرف المخطئ وحجم الضرر أو المسؤولية المالية، وفقًا لما يراه المحكّمون، قائلًا "بنبتدي نشوف مين الغلطان"، ثم يتم تحديد الواقعة أو الجريمة التي ارتكبت، وعلى أساس ذلك تبدأ مرحلة المداولة.
وتنتقل الجلسة من مرحلة الاستماع إلى الأطراف وتحديد المسؤولية إلى مرحلة المداولة، ثم إصدار الحكم، والمداولة تتم من خلال عدد فردي من المحكّمين، مثل 3 أو 5 أو 7 أشخاص، بحسب طبيعة النزاع وعدد المدعين والأطراف المشاركين، لضمان وجود صوت فاصل عند اختلاف الآراء، بحيث يمكن ترجيح رأي على آخر وعدم الوصول إلى حالة تعادل بين أعضاء اللجنة، وفقًا لما بينه هواش للوفد.
إعلان الحكم يتم أمام الحاضرين، وإذا وافق الأطراف على الحكم، يحصل كل طرف على الشيك الخاص به، وتنتهي الإجراءات بعد اعتراف الأطراف بالخطأ وقبول الحكم، وفي حالة رفض تنفيذ الحكم، تتجه اللجنة العرفية إلى رئيس النيابة، ويتم عرض ما جرى في الجلسة، مع تقديم الأوراق والمستندات التي تم تحريرها، وهنا لا تكون الجلسة العرفية لا تكون بالضرورة نهاية المسار.
وفي دراسة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعنوان في عُرف من؟ دور الجلسات العرفية في النزاعات الطائفية ومسؤولية الدولة وُجد أن القرارات الصادرة عن الجلسات العرفية تختلف تبعًا لسبب المشكلة والتداعيات المترتبة عليها.

جرائم بسبب أحكام الصلح
وبعض الأحكام التي يُصدرها المجلس العُرفي، تكون سببُا في شد فتيل الأزمة، مثلما حدث في العجوزة سنة 2017، وفي الشرقية 2022، فذكرت أوراق القضية أن الطرفين تصالحا بعد جلسة عرفية ثم وقع القتل لاحقًا.
أسس النُطق بالأحكام
الحكم في الجلسات العُرفية لايصدر بقرار منفرد من رئيس المجلس، بل يكون بعد تشاور بين أعضاء المجلس العُرفي، فيجتمع المجلس داخل غرفة للمداولة، وتتم المناقشات وتبادل الآراء وفي النهاية يتم التصويت عليها قبل إصدارها، بحسب عبدالدايم، القاضي العٌرفي بالجيزة.
وللإجابة على سؤال على أي أساس تُحدد العقوبة أو الغرامة في القضايا المنظورة خلال المجلس العُرفي؟ يقول عبد الدايم الأمر يختلف بحسب طبيعة الإصابة أو الواقعة، فالإصابة في الوجه تختلف عن الإصابة في الرأس أو الجسم، والإصابات الظاهرة تختلف عن الإصابات الداخلية.
فالوجه تكون عقوبته كبيرة، فهو مُكرم من الله ورسوله، لذا فإن الإصابة التي تترك أثرًا ظاهرًا في الوجه مثلًا تكون قيمتها أكبر، من أي إصابة داخل الجسم ومستورة.

أسباب العنف على هامش الجلسات العُرفية
بعد انتهاء المجلس، يتم تحرير محضر بما تم الاتفاق عليه خلال الجلسة، ولضمان الالتزام بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، يُجبر الطرفان المتنازعان بالتوقيع على شرط جزائي، ويتم تحديد قيمة الشرط الجزائي وفقًا للخلاف وطبيعة القضية محل الفصل، وفقًا لـ عبد الدايم، أشهر قاضٍ عرفي بالجيزة، قائلًا: "أنا شخصيًا أحب أن يكون الشرط الجزائي كبيرًا حتى يلتزم الطرفان بالحكم الصادر، ومنع أي تجاوز قد يصدر من طرف تجاه الآخر، والهدف من ذلك ضمان تنفيذ الحكم".
الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي، يوضح أن انتشار وقائع العنف على هامش انعقاد الجلسات العرفية في عددٍ من القضايا، يرجع إلى عدة أسباب، لعل أهمها يتمثل في عدم وجود رادع قوي لتنفيذ الأحكام المنطوق بها داخل المجالس العُرفية، وكذلك عدم قناعة الأطراف أو أحدٍ منها بالقاضي العُرفي وقدرته على إلزام الجميع بتنفيذ الحكم.
ويرى أستاذ علم الاجتماع، أن انتشار المجالس العُرفية يعكس ازدواجية في المعايير والقوانين، بينها باعتبارها مجالس غير رسمية وبين القضاء والمحاكم الرسمية، مشيرًا إلى أن المجتمعات الأقل تقدمًا وتحضرًا خاصة في الريف والبدو والصعيد هم الأكثر ترددًا عليها، قائلًا: "إذا كان وجود العُرف مهمًا في هذه المجتمعات، فيجب ألا تكون مُنفردة، وانعقادها يكون برعاية رسمية".
وفي أغسطس الماضي، تحولت جلسة عرفية خُصصت لإنهاء الخلافات الأسرية إلى مسرح لجريمة مأساوية في مدينة 15 مايو، بعدما أقدم مهندس على إنهاء حياة أربعة أشخاص، بينهم ابنته، مستخدمًا سلاحًا ناريًا إثر تصاعد حدة النقاش.

من يتحمل المسئولية؟
وتُقام جلسات التحكيم العرفي، التي يحضرها أطراف النزاع ومحكّمون وقضاة عرفيون، وتتفاوت طبيعة القضايا التي تنظرها هذه الجلسات من الخلافات البسيطة وصولًا لجرائم القتل، وفي بعض الحالات يمكن للصلح العرفي أن ينهي الخلاف بين الأطراف اجتماعياً لكنه لا ينهي القضية الجنائية، وفقًا للمحامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، فيروز الصافي.
فالأثر القانوني للصلح والتنازل يتحدد حسب نوع الجريمة والنص القانوني والإجراء الذي تم أمام النيابة أو المحكمة المختصة، بحسب الصافي، التي ترى أن المجلس العرفي من الممكن أن يُصلح بين الناس معنوياً واجتماعياً، لكنه ليس محكمة وليس من حقه أن يسقط مسؤولية جنائية لم يسمح القانون بإسقاطها.
وفي حالة تحولت جلسة الصلح إلى مشاجرة أو اعتداء أو قتل مَن يتحمل المسؤولية؟ تقول المحامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة: النظر هنا يكون للواقعة نفسها وليس لكونها حصلت في جلسة صلح، فكل شخص تتحدد مسؤوليته حسب دوره وما ثبت في حقه من أفعال سواء فاعل أو محرض أو شريك وفقاً للقانون، أما منظم الجلسة فمجرد تنظيمه للجلسة العرفية ليس معناه أنه مسؤول عن أي جريمة وقعت في داخلها، لكن لو ثبت أنه شارك أو حرض أو ساعد في ارتكابها هنا المسؤولية الجنائية تبحث في ضوء دوره في الجريمة، مؤكدة أن جلسة الصلح لا تمنح أي شخص حصانة من المسؤولية الجنائية.
وفي 2022، وقعت جريمة بعد انتهاء المجلس بالأسكندرية، وكان المجلس العرفي انعقد بين أسرتي المتهمين والمجني عليه، وانتهى باعتذار أحد الأطراف، ثم وقعت الجريمة لاحقًا أمام مسكن المجني عليه، وانتهت بوفاته، وحكمت جنايات مستأنف الإسكندرية في 25 يناير 2026، بالسجن المشدد 15 سنة لـ 3 من المتهمين بينما المتهم الرابع حُكم عليه بالسجن المشدد 7 سنوات.
القضاء الرسمي هو الأساس
اللواء إيهاب يوسف الخبير الأمني، يرى أن فكرة الجلسات العُرفية كانت سائدة في وقت من الأوقات، مع وجود الشخصيات المؤثرة كـ العُمد وشيوخ البلد، إلا أنه بانتفاء هذه الشخصيات، أصبح انعقاد مثل هذه المجالس يُصاحبه بعض التوترات، خاصة أن القائمين عليها الآن أصبحوا غير قادرين على تفعيل الأحكام.

فسيكولوجية المجتمع المتغيرة هي وراء ضعف تأثير هذه المجالس، وضعف التأثير يسهم في عدم الانصياع للأحكام المنطوق بها، وهنا ينفتح الباب للعنف وتحويل جلسات الصُلح لـمسرح جريمة، في وجود جميع الأطراف المتنازعة وفقًا للخبير الأمني.
والحل هنا في نظر اللواء إيهاب يوسف، يتمثل في إعلاء قيمة القانون، بدلًا من التوجه للمجالس العُرفية خاصة في ظل ضعف تأثير القيادات، موضحًا أن ذلك أيضًا يستلزم أن تكون العدالة في القضاء والمحاكم الرسمية سريعة وناجزة، مع وضع آليات تنفيذ للأحكام بشكل عاجل.
وفي نهاية التحقيق، ظهر أننا بحاجة إلى قانون يُنظم عمل المجالس العُرفية، وإعطاء صلاحيات للقاضي والمُحكم العُرفي حتى يتسنى له، أداء مهامه تحت مظلة قانونية، وقدرة إلزامية بتنفيذ الأحكام برعاية شُرطية منعًا لأي خلاف على هامش الجلسة العرفية وحقنًا للدماء، إما إلغاء عمل هذه المجالس، والاعتماد على القضاء الرسمي مع وضع واستحداث آليات تضمن قضاء ناجز.