حراس الأمن الغذائى
هكذا يجب أن تقتحم «الكيانات الاستراتيجية الكبرى» مستقبل الإنتاج الحيوانى فى مصر
فى خضم عالم يمر بالمتغيرات، وتتلاطَم فيه أمواج أزمات سلاسل الإمداد العالمية، تقف الدولة المصرية وأهم أجنحتها الاقتصادية على عتبة مرحلة فارقة. وحين تتجه أعين الكيانات الكبرى والهيئات الاستراتيجية نحو قطاع «الإنتاج الحيوانى»، فإن الأمر لا يتعلق مجرد بتربية عدد من رؤوس ماشية، بل بصياغة أمن قومى غذائى متكامل.
ولكن، لكى تنجح تلك «الكيانات الهامة» فى كتابة قصة نجاح تليق باسمها وثقلها، يجب أن تتخلى عن الطرق التقليدية التى أنهكت السوق طويلًا، وأن تتبنى روشتة علمية واقتصادية حاسمة ترتكز على أربعة محاور ذهبية الا وهى عقول إلكترونية تدير القطعان لا عمالة عشوائية.
حيث أن الزمن الذى كانت تُدار فيه المزارع بالمصادفة والخبرة المجردة قد ولى بلا رجعة، إن الخطوة الأولى لأى هيئة جادة هى فرض الرقمنة الكاملة؛ حيث تُزود كل رأس ماشية بسوار ذكى ومستشعرات ترصد درجات الحرارة، وأى تغير فيسيولوجى فى جسم الحيوان معدلات الاستهلاك، وبدايات الأمراض ويرسلها فورا إلى أجهزة الحاسوب فى غرفة الإدارة قبل ظهورها بأيام. هذا الاستشعار المبكر يوفر نزيفًا هائلًا فى الأموال ويضمن أعلى معدلات الكفاءة الإنتاجية وفك طلاسم «أزمة الأعلاف».. بالابتكار لا بالاستيراد حين يشكل العلف نحو 70% من تكلفة الإنتاج، يصبح الاعتماد الكلى على الأسواق الخارجية مغامرة غير مأمونة. والنهج الذكى هنا يقتضى تحرك تلك الكيانات نحو التوطين والإنتاج الذاتى؛ كالتوسع فى زراعة محاصيل إنتاج السيلاج والبرسيم، واستثمار التكنولوجيا الحديثة فى تدوير المخلفات الزراعية وتحويلها إلى أعلاف منخفضة التكلفة، مما يحصن المشروع ضد تقلبات أسعار الصرف وصدمات الأسواق العالمية.
وكسر الحلقة التقليدية «سلسلة القيمة المضافة» حيث أكبر فخ يقع فيه المستثمر هو الاكتفاء ببيع «الماشية الحية» كمادة خام. إن النهج الاستثمارى الحديث يفرض عليهم تبنى منظومة متكاملة تبدأ من عنابر التربية وتمر عبر مجازر آلية عملاقة ومصانع لتجهيز اللحوم والألبان، وصولًا إلى منافذ التوزيع المباشر ليد المواطن. والأهم من ذلك؛ إعادة تدوير المخلفات الحيوانية لإنتاج أسمدة عضوية وطاقة نظيفة بيوجاز لتحويل كل حبة أو قشة هالك إلى ربح صافٍ.
ومن أهم النقاط فى هذا الموضوع بناء قلعة الحصانة البيطرية بمعنى تطبيق الأمن الحيوى الصارم، حيث إنه فى عالم الأوبئة، لا مكان للتهاون، إن إنشاء بوابات تطهير إلكترونية، وتطبيق بروتوكولات حجر صحى حقيقية، واعتماد جداول تحصين دقيقة، هو الدرع الواقى الذى يضمن استمرارية المشروع وحماية استثماراته من أى كوارث مفاجئة.
كلمة أخيرة.. إن الإنتاج الحيوانى فى فكر الكيانات الكبرى ليس مجرد مشروع استثمارى يسعى للربح السريع، بل هو «مصنع للأمن والاستقرار». وحين تزاوج هذه الكيانات بين الإرادة السيادية والتكنولوجيا الحديثة، فإنها لا تؤمن الغذاء فحسب، بل تُدشن معادلة اقتصادية جديدة قوامها الاكتفاء الذاتى والصلابة فى مواجهة المستقبل.