بين الوقائع والافتراضات
بدون رتوش
فى ظل تصاعد الصراعات فى السودان، وتزايد التوترات فى إثيوبيا والقرن الأفريقى، تتجدد التساؤلات حول ما إذا كانت هذه الأزمات مجرد صراعات داخلية على السلطة والنفوذ، أم أنها تتقاطع مع حسابات إقليمية ودولية تسعى إلى إعادة تشكيل خريطة المصالح وموازين القوى فى المنطقة. وبين الاتهامات المتبادلة والتحركات السياسية، يبرز احتمال وجود أطراف خارجية تستفيد من الانقسامات، وهو ما يستدعى قراءة دقيقة لا تخلط بين الوقائع والافتراضات.
وفى هذا السياق، تعود إلى الواجهة وثيقة «كيفونيم»، التى نُشرت عام 1982 فى مجلة إسرائيلية حملت اسم «كيفونيم»، وتضمنت مقالًا للكاتب «عوديد ينون» بعنوان «استراتيجية لإسرائيل فى الثمانينات». وقد تناول المقال تصورات بشأن البيئة الإقليمية المحيطة بإسرائيل، وأشار إلى احتمالات تفكك بعض دول المنطقة إلى دويلات صغيرة قائمة على أسس عرقية وطائفية. وأصبحت الوثيقة لاحقًا محورًا واسعًا للجدل والتحليلات المتعلقة بمستقبل الدول العربية ووحدة أراضيها. ومع استحضار الوثيقة يطرح سؤال هام: إلى أى مدى يمكن أن تتحول الانقسامات الداخلية إلى فرص تستغلها قوى خارجية لتعزيز نفوذها وإعادة ترتيب موازين القوى؟
وتزداد أهمية هذا السؤال مع تصاعد التنافس الدولى على البحر الأحمر والقرن الأفريقى، وما يرتبط بهما من ممرات تجارية ومصالح أمنية وموارد استراتيجية. فالسودان يعانى حربًا تهدد وحدته ومؤسساته، بينما تواجه إثيوبيا توترات داخلية وخلافات إقليمية، فى وقت تتصاعد فيه المخاوف من امتداد الصراعات عبر الحدود. وقد أشارت تحليلات حديثة إلى تداخل الأزمات السودانية والإثيوبية فى خلافات حول التنافس الإقليمى، وإن ظلت بعض الاتهامات المتعلقة بالدعم الخارجى محل خلاف وتحتاج إلى مزيد من التحقق.
أما الحديث عن «شرق أوسط جديد»، فيرتبط بمشروعات وتصورات متعددة لإعادة ترتيب العلاقات والتحالفات الإقليمية، لكنه لا يمثل بالضرورة خطة واحدة متفقًا عليها بين جميع الأطراف. وتكمن الخطورة فى أن يؤدى توظيف الانقسامات الطائفية والعرقية إلى إضعاف الدول، وتراجع قدرتها على حماية حدودها ومواردها، وفتح المجال أمام تدخلات خارجية قد تجعل تسوية الأزمات أكثر صعوبة.
ولا تقتصر التداعيات على الدول المتضررة مباشرة؛ حيث إن اضطراب السودان وإثيوبيا قد تكون له انعكاسات على أمن البحر الأحمر، واستقرار القرن الأفريقى، ومصالح دول حوض النيل، فضلًا عن احتمالات النزوح وتفاقم الأزمات الإنسانية. ومن هنا، تصبح حماية الدولة الوطنية، وتعزيز المؤسسات، وتغليب الحوار، ضرورة تتجاوز الحسابات السياسية الآنية.
وفى مواجهة هذه التحديات، ينبغى ألا تستسلم شعوب المنطقة للفتنة، أو تنساق وراء خطاب الكراهية والانقسام، أو تسمح بتحويل خلافاتها إلى أدوات فى صراعات الآخرين. فالتاريخ يذكرنا بأن سياسة «فرّق تسد» تجد فرصتها حين تتراجع الثقة بين أبناء الوطن الواحد. أما الوعى، والتمسك بوحدة المجتمعات، والتحقق من المعلومات، ورفض التدخلات التى تؤجج النزاعات، فهى السبيل لحماية استقلال القرار الوطنى. فالاختلاف لا ينبغى أن يتحول إلى اقتتال، والتنافس لا ينبغى أن يصبح مبررًا لتفكيك الدول، مهما كانت المصالح التى تقف وراءه.