من تماسك الجبهة الداخلية إلى أمن الخليج.. خبراء يكشفون أبعاد حماية الأمن القومي المصري والعربي
في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة وتحديات أمنية وسياسية متشابكة، تتزايد أهمية الحفاظ على الأمن القومي باعتباره منظومة متكاملة لا تقتصر على القدرات العسكرية أو حماية الحدود، وإنما تمتد لتشمل تماسك المجتمع، ووعي المواطنين، وقوة المؤسسات الوطنية، وقدرة الدولة على التعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية.
التحديات الراهنة لم تعد تأخذ شكل المواجهات العسكرية التقليدية وحدها، بل أصبحت تشمل أيضًا محاولات التأثير على الرأي العام من خلال الشائعات والمعلومات المضللة، فضلًا عن التوترات الإقليمية التي تفرض ضرورة الاستعداد لمختلف السيناريوهات، مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتجنب الانجرار إلى صراعات غير محسوبة.
وتبرز أهمية هذه المعادلة بالنسبة إلى مصر في ضوء موقعها الاستراتيجي ودورها الإقليمي، وما يرتبط بأمنها من تطورات في محيطها العربي، خاصة في منطقة الخليج والبحر الأحمر، فالحفاظ على أمن الدولة يتطلب، إلى جانب امتلاك القدرات الدفاعية، تعزيز وعي المجتمع بطبيعة التحديات التي تواجهه، وترسيخ الثقة في المؤسسات الوطنية، وتطوير أدوات التعامل مع الأزمات بما يحقق التوازن بين حماية المصالح المصرية ودعم الاستقرار الإقليمي.
فهم الأمن القومي المصري والعربي
كما تفرض الروابط التاريخية والاستراتيجية بين مصر والمملكة العربية السعودية أهمية خاصة للتنسيق المشترك، في ظل ما يجمع البلدين من مصالح سياسية واقتصادية وأمنية، وما يمثله استقرار كل منهما من أهمية للآخر.
وفي هذا الإطار، تتكامل مسألتان أساسيتان في فهم الأمن القومي المصري والعربي؛ الأولى تتعلق بالعلاقة بين القوات المسلحة والشعب، باعتبارها علاقة تقوم على الانتماء الوطني والمسؤولية المشتركة في حماية الدولة ومقدراتها، والثانية ترتبط بالتعاون المصري السعودي ودوره في دعم الأمن العربي، في ظل التحديات التي تواجه دول المنطقة.
وبين أهمية الوعي الوطني والالتزام بالإجراءات الدستورية المنظمة لأي تحرك عسكري خارج الحدود، تبرز الحاجة إلى قراءة شاملة لطبيعة التحديات الراهنة، وآليات التعامل معها بما يحافظ على أمن مصر واستقرارها ويعزز التضامن العربي.
القوات المسلحة والشعب
وفي هذا السياق، أكد اللواء الدكتور أسامة الجمال، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن القوات المسلحة المصرية جزء لا يتجزأ من نسيج الشعب المصري، مشددًا على أهمية الحفاظ على الوعي الوطني ومواجهة الشائعات التي تستهدف المؤسسات الوطنية.
من جانبه، أوضح الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، أن أمن المملكة العربية السعودية يرتبط بالأمن القومي المصري، مؤكدًا أهمية التعاون بين القاهرة والرياض، مع الالتزام بالضوابط الدستورية المنظمة لأي إجراءات دفاعية محتملة.
أكد اللواء الدكتور أسامة الجمال، أن العلاقة بين القوات المسلحة المصرية والشعب تقوم على وحدة الانتماء والمصير، مشددًا على أن الجيش المصري ليس كيانًا منفصلًا عن المجتمع، وإنما يتكون من أبناء الشعب الذين يتحملون مسؤولية الدفاع عن الوطن وحماية مقدراته.
وأوضح الخبير العسكري والاستراتيجي أن القوات المسلحة تمثل ركيزة أساسية في منظومة الأمن القومي المصري، لما تضطلع به من مهام تتعلق بحماية الدولة والحفاظ على استقرارها في ظل التحديات والمتغيرات التي تشهدها المنطقة.
وأشار إلى أن الشعب المصري يمتلك، بحكم تاريخه وتجربته الوطنية، روح الدفاع عن الوطن والتصدي للتحديات، مؤكدًا أن العلاقة بين الشعب والقوات المسلحة تعكس تماسك الجبهة الداخلية وأهمية التعاون بين مختلف مكونات المجتمع في الحفاظ على أمن الدولة.
وشدد الجمال على أن الحفاظ على المؤسسات الوطنية مسؤولية مشتركة، تتطلب إدراك طبيعة الأدوار التي تؤديها هذه المؤسسات، إلى جانب تعزيز الوعي العام بالتحديات التي تواجه البلاد، بما يدعم الاستقرار ويحافظ على وحدة المجتمع.
الشائعات واستهداف الوعي الوطني.
وفيما يتعلق بطبيعة الصراعات الحديثة، أوضح أسامة الجمال أن المواجهات لم تعد تقتصر على الميدان العسكري، بل امتدت إلى محاولات التأثير على المجتمعات من الداخل من خلال نشر الشائعات والمعلومات المضللة واستهداف وعي المواطنين.
وأشار إلى أن تداول الأخبار غير الموثوقة قد يسهم في إثارة القلق والانقسامات والتشكيك في المؤسسات الوطنية، وهو ما يجعل الوعي أحد العناصر المهمة في حماية المجتمع من محاولات التأثير على استقراره.
وأكد أن التعامل مع هذه التحديات يتطلب التحقق من المعلومات قبل تداولها، والاعتماد على المصادر الموثوقة، إلى جانب الدور الذي يؤديه الإعلام في توضيح الحقائق وتقديم المعلومات بصورة مهنية تساعد المواطنين على تكوين رؤية دقيقة للأحداث.
وأضاف أن تعزيز الوعي الوطني لا يقتصر على مواجهة الشائعات فقط، بل يشمل أيضًا فهم طبيعة التحديات الأمنية والسياسية المحيطة بالدولة، وإدراك أهمية الحفاظ على تماسك المجتمع في أوقات الأزمات.
دور القوات المسلحة في التنمية الوطنية
ولفت الخبير العسكري والاستراتيجي إلى أن دور القوات المسلحة لا يرتبط بالمهام الدفاعية وحدها، بل يمتد إلى المشاركة في عدد من المشروعات الوطنية التي تستهدف دعم التنمية وخدمة المجتمع.
وأشار إلى المشاركة التاريخية للقوات المسلحة في بناء السد العالي، باعتبارها مثالًا على اتساع نطاق دورها في خدمة الدولة، وهو ما يعكس، بحسب حديثه، مفهوم «يد تبني ويد تحمل السلاح».
ويبرز هذا الدور أهمية التكامل بين حماية الأمن القومي ودعم مسارات التنمية، باعتبار أن استقرار الدولة يرتبط بقدرتها على حماية أراضيها ومقدراتها، إلى جانب مواصلة جهود البناء والتطوير وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.
أمن السعودية جزء من الأمن القومي المصري
على صعيد العلاقات المصرية السعودية، قال الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، إن الظروف الدقيقة التي يمر بها أمن الخليج، والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، تستدعي اهتمام مصر ومتابعتها للتطورات، مؤكدًا أن القاهرة والرياض تمثلان ركيزتين أساسيتين للأمن القومي العربي.
وأضاف سلامة، أن أي مساس بأمن المملكة العربية السعودية يؤثر، وفق تقديره، على الأمن القومي المصري، باعتبار أن أمن المملكة يرتبط بالمصالح الاستراتيجية المصرية، وهو ما يؤكد أهمية التنسيق والتعاون بين البلدين.
وأوضح أن العلاقات المصرية السعودية لا تقوم على الروابط السياسية الرسمية فقط، بل تشمل أيضًا علاقات شعبية واقتصادية واسعة، في ظل وجود جاليتين مصرية في المملكة وسعودية في مصر، إلى جانب الاستثمارات السعودية في السوق المصرية.
وأشار إلى أن هذه الروابط تعزز أهمية استقرار البلدين، موضحًا أن استقرار المملكة يمثل مصلحة لمصر، مثلما يشكل استقرار الدولة المصرية أهمية للمملكة، في ضوء المصالح المشتركة والتحديات الإقليمية التي تواجه المنطقة.
الضوابط الدستورية المنظمة لأي تحرك عسكري خارج الحدود
وفيما يتعلق بالإجراءات الدستورية المرتبطة بإرسال قوات مصرية إلى الخارج، أوضح حسن سلامة أن المادة 152 من الدستور تنظم الإجراءات المتعلقة بإرسال القوات المسلحة في مهام خارج البلاد، وفقًا للضوابط الدستورية ذات الصلة.
وأشار إلى أن هذه الإجراءات تتضمن، بحسب شرحه، موافقة مجلس الدفاع الوطني ومجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضائه، في الحالات التي يتطلب فيها الدستور ذلك، بما يضمن خضوع القرارات العسكرية الخارجية للأطر القانونية والمؤسسية المنظمة.
وأضاف أن دعوة مجلس النواب إلى عقد جلسة طارئة، وفقًا لما تناوله في حديثه، ترتبط ببحث تفويض يتعلق باتخاذ إجراءات دفاعية محتملة لحماية أمن المملكة العربية السعودية، موضحًا أن أي تحرك من هذا النوع يستهدف، بحسب طرحه، دعم الإجراءات الدفاعية للمملكة، وليس بالضرورة الدخول في حرب مع أي طرف.
وشدد أستاذ العلوم السياسية على أهمية الالتزام بالنصوص الدستورية والإجراءات القانونية، معتبرًا أن وضوح هذه الإجراءات يسهم في تعزيز الثقة العامة، ويحد من انتشار الشائعات والتفسيرات غير الدقيقة بشأن طبيعة التحركات المحتملة.
تفعيل التفويض العسكري المحتمل
وأكد سلامة أن استخدام أي تفويض محتمل لإرسال قوات مصرية إلى الخارج يظل، وفقًا لما أوضحه، مرتبطًا بطلب المملكة العربية السعودية تقديم المعونة العسكرية، مشددًا على أهمية أن يكون الطلب واضحًا ومعلنًا أمام مجلس النواب الذي ينظر في التفويض.
وأوضح أن الموافقة على التفويض لا تعني بالضرورة إرسال قوات مصرية بصورة فورية، وإنما قد تمنح الرئيس صلاحية اتخاذ إجراءات دفاعية وفقًا للظروف والتطورات، وبناءً على طلب المملكة وفي إطار الضوابط الدستورية المعمول بها.
وأشار إلى أن التمييز بين منح التفويض وتنفيذه فعليًا أمر مهم لفهم طبيعة الإجراءات المطروحة، إذ إن اتخاذ أي خطوة عملية يظل مرتبطًا بالاعتبارات القانونية والسياسية والأمنية ذات الصلة.