من صناعة التهديد إلى تسويق الحماية _أمن الخليج هو أمن مصر
أكتب هنا رأيي الشخصي وقراءتي السياسية للمشهد قراءة تقوم على تتبّع الأحداث ونتائجها ولا أدّعي أنها معلومات أو حقائق موثقة في كل تفاصيلها
قناعتي التي أشرت إليها في كتابات سابقة أن العداء الظاهر لأمريكا وإسرائيل لا يعني بالضرورة تعارض الأدوار والمصالح معهما. وأذهب في شكوكي إلى احتمال أن تكون بعض القوى التي ترفع رايات المواجهة قد جرى إعدادها أو توظيفها لخدمة أجندات تنتهي بإضعاف المنطقة وإعادة تشكيلها. وهذه فرضيتي السياسية وليست واقعة مثبتة أقدّم عليها دليلًا قاطعًا.
حين أتحدث عن الحوثيين وحزب الله وحماس وعن توظيف الخوف من إيران فإنني أنظر إلى الحصيلة.
ماذا جرى للدول والمجتمعات؟ ومن دفع الثمن؟ ومن استطاع استثمار الخراب والخوف لتوسيع نفوذه؟
في لبنان أرى أن تعاظم قوة حزب الله وسلاحه خارج مؤسسات الدولة أسهما في اختلال السيادة وربط مستقبل البلاد بصراعات إقليمية. وفي غزة أرى أن قرارات حماس العسكرية تستوجب المساءلة عن حساباتها وتبعاتها بالتوازي مع تحميل إسرائيل مسؤولية قراراتها وحربها وانتهاكاتها.
فلا يجوز أن تختلط حقوق الشعب الفلسطيني بقرارات تنظيم أو أن تُستخدم تلك القرارات لتبرير الاعتداء على المدنيين وانتزاع أرضهم.
أما إيران فأرى أن صورتها بوصفها تهديدًا دائمًا للمنطقة يمكن أن تتحول إلى «فزاعة» يجري استثمارها سياسيًا وعسكريًا. يرتفع الخوف ويتسع طلب الحماية وتزداد قدرة القوى الخارجية على فرض شروطها. وقد تتصارع الأطراف فعلًا بينما تؤدي نتائج صراعها إلى مزيد من استنزاف العرب.
واليوم أنظر إلى الحوثيين من الزاوية نفسها. كيف تطورت قدرات جماعة مسلحة إلى هذا المستوى من تهديد المنشآت والممرات الحيوية؟ وكيف يمكن استثمار هذا التهديد لإعادة ترتيب أمن الخليج؟ هذه أسئلة مشروعة وإن كانت الإجابة عنها تحتاج إلى أدلة تتجاوز الشكوك والاستنتاجات.
أخشى أن نكون أمام مسار يجري فيه استثمار التهديد ثم تسويق الحماية ثم تحويل الحماية إلى نفوذ طويل الأمد.
ولهذا أتوقف أمام الحديث المنقول عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن احتمال قبول السعودية مساعدة إسرائيلية ضد الحوثيين. فهذا لا يثبت صدور قرار بنشر قوات إسرائيلية داخل المملكة لكنه يطرح أمامنا احتمالًا سياسيًا وأمنيًا يستحق الانتباه.
وفي قراءتي فإن الخطر يكمن في أن تحصل إسرائيل تحت عنوان المساعدة على موقع داخل ترتيبات أمن الخليج ثم تستخدمه لتوسيع تأثيرها في القرار الإقليمي. وأخشى أن يتحول الاحتياج الأمني إلى وسيلة ضغط على السيادة والمصالح والثروات.
هنا تتضح أهمية الموقف المصري. فقد أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد مصر لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن السعودية إذا طلبت ذلك وطلب تفويضًا برلمانيًا مع إعلان مجلس النواب عقد جلسة يوم طارئة. وهو استعداد مشروط بطلب سعودي وبالإجراءات الدستورية وليس إعلانًا ببدء الحرب.
وأقرأ هذا الموقف باعتباره تأكيدًا أن لدى العرب القدرة على المبادرة لحماية أمنهم وأن مصر تدرك خطورة ترك مستقبل المنطقة لترتيبات تصوغها قوى أخرى وفق مصالحها.
ولماذا أقول إن أمن الخليج هو أمن مصر أيضًا؟
لأن الجغرافيا والمصالح تربطان الجانبين مباشرة. فأي تهديد للملاحة عند باب المندب والبحر الأحمر يمتد أثره إلى قناة السويس وحركة التجارة المرتبطة بها. وأي اضطراب واسع في الخليج يمكن أن ينعكس على أسواق الطاقة وتكاليف النقل والاستثمار وفرص العمل وعلى المصريين المقيمين هناك وأسرهم.
والأهم في تقديري أن إضعاف الدول الخليجية أو تقييد استقلال قرارها يغيّر ميزان القوة في المنطقة كلها ويزيد الضغوط على مصر. فقوة مصر واستقرار أشقائها ركيزتان تدعم إحداهما الأخرى والتعاون بينهما يمنح القرار العربي قدرة أكبر على حماية مصالحه.
لهذا فإن حماية الخليج مصلحة استراتيجية مصرية مثلما تمثل قوة مصر واستقرارها سندًا مهمًا لأمن الخليج. وترجمة هذه المصلحة تحتاج إلى تنسيق مدروس وأهداف واضحة وحساب دقيق لتبعات أي تحرك مع العمل لمنع اتساع الحرب وحماية المدنيين.
وأقرأ رمزية التحية العسكرية المصرية للأشقاء في الخليج في هذا الإطار. تعبيرًا عن التضامن ووحدة المصير ورسالة بأن الروابط العربية تحمل مسؤوليات تتجاوز الكلمات.
وقد عبّرت في كتاباتي منذ أحداث ٢٠١١ ثم في حديثي عن غزة عام ٢٠١٧ عن مخاوفي من مسارات تستنزف الدول وتفتح الطريق لإعادة تشكيل المنطقة. وأستحضر تلك المخاوف اليوم لأنني أرى ضرورة مراجعة الوقائع وربطها مع بقاء كل قراءة قابلة للنقاش والتصحيح.
دعوا قواتنا المسلحة ومؤسسات دولتنا تؤدي مسؤولياتها بتأييد شعبي واعٍ واحترام للمسار الدستوري وتقدير لحجم الأمانة. وأغلقوا أبواب الفتنة والتحريض بين الشعوب العربية مع الحفاظ على مساحة السؤال والنقاش الوطني المسؤول.
هذه قراءتي وقد أصيب فيها أو أخطئ. لكنني أؤمن بأن حسن النوايا وحده لا يكفي لفهم السياسة نحتاج إلى إنصاف الحق والتحقق من المعلومات ومراجعة النتائج والتمييز بين ما نعتقده وما نستطيع إثباته.
أرفض أن يتحول تهديد الخليج إلى بوابة للوصاية عليه وأؤمن بأن المبادرة العربية المشتركة هي السبيل لحماية أرضنا وثرواتنا واستقلال قرارنا.
أمن الخليج متصل بأمن مصر ومستقبل منطقتنا مسؤوليتنا جميعًا.