لحظة الحقيقة
لم يعد السؤال المطروح في الشرق الأوسط هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستواصل لعب دورها التقليدي في المنطقة، بل إلى أي مدى يمكن للدول العربية الاعتماد على واشنطن في حماية مصالحها وأمنها القومي، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، والانحياز الأمريكي المستمر إلى إسرائيل، واتساع الفجوة بين المصالح العربية والأولويات الاستراتيجية الأمريكية.
لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة تخلت نهائيًا عن الشرق الأوسط بعد؛ فهي لا تزال تمتلك قواعد عسكرية وشراكات أمنية ونفوذًا دبلوماسيًا واقتصاديًا واسعًا. لكن المشكلة تكمن في أن واشنطن باتت تتعامل مع المنطقة وفق حساباتها الخاصة، التي تتقدم فيها حماية إسرائيل ومواجهة الخصوم الإقليميين على حساب بناء نظام إقليمي يضمن الأمن والاستقرار لجميع دول المنطقة. وقد أظهرت التطورات منذ حرب غزة في أكتوبر 2023 محدودية قدرة السياسة الأمريكية على فرض تسوية مستدامة، رغم الدعم العسكري والدبلوماسي الكبير الذي قدمته لإسرائيل.
وتتمثل المعضلة الأساسية في أن إسرائيل تحظى بدعم عسكري واستخباراتي أمريكي متقدم، بينما تجد الدول العربية نفسها أمام تهديدات متزايدة، تشمل الحروب الإقليمية، وانتهاك السيادة، وتهديد الملاحة البحرية، واضطراب أسواق الطاقة. وفي مثل هذه الظروف، لا يكفي الاعتماد على اتفاقيات ثنائية مع واشنطن، لأن أولويات الإدارة الأمريكية تبدو أنها تغيرت، ولأن المصالح الأمريكية ليست متطابقة بالضرورة مع المصالح العربية.
من هنا تبرز أهمية الاتحاد العربي باعتباره ضرورة استراتيجية، لا مجرد شعار سياسي. فالدول العربية تمتلك مجتمعة موارد مالية وطاقة وأسواقًا واسعة وموقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية، إلى جانب قدرات عسكرية وبشرية هائلة. غير أن هذه الإمكانات تفقد جزءًا مهمًا من قيمتها عندما تتحرك الدول بصورة منفردة، أو عندما تتعارض حساباتها السياسية، أو تتعامل مع الأزمات الإقليمية باعتبارها ملفات وطنية منفصلة.
ولا يعني الاتحاد المطلوب بالضرورة إقامة دولة عربية واحدة أو تشكيل تحالف عسكري هجومي، بل البدء بتنسيق سياسي حقيقي، وتفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك، وإنشاء آليات للتشاور الأمني وإدارة الأزمات، وتعزيز التعاون الاقتصادي والغذائي والتكنولوجي، وتوحيد المواقف تجاه القضية الفلسطينية وحماية سيادة الدول العربية. ويجب أن يقوم هذا التعاون على احترام استقلال الدول، وتسوية خلافاتها بالحوار، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
إن التحدي الأكبر لا يتمثل في غياب الإمكانات العربية، بل في تحويلها إلى إرادة سياسية مشتركة ومؤسسات قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه. وقد أظهرت التحركات الدبلوماسية العربية خلال السنوات الأخيرة إمكانية تنسيق المواقف، لكنها كشفت أيضًا أن التنسيق المؤقت لا يكفي وحده لصناعة أمن إقليمي مستدام.
لا ينبغي أن يكون الهدف العربي استبدال التبعية لواشنطن بتبعية لقوة دولية أخرى، بل بناء قدرة مستقلة على حماية المصالح العربية والتفاوض من موقع القوة. فالتحالفات الدولية تظل مهمة، لكن الدولة أو المجموعة الإقليمية التي لا تمتلك أدواتها الذاتية للأمن والتأثير تظل رهينة حسابات الآخرين.
في الختام، إن اتحاد الدول العربية اليوم ليس ترفًا سياسيًا ولا حنينًا إلى الماضي، بل مشروع حتمي لمواجهة أخطار المستقبل. فإما أن تتحول المصالح العربية المشتركة إلى قوة سياسية واقتصادية وأمنية منظمة، وإما أن تستمر المنطقة ساحة تتنافس وتتصارع فيها القوى الخارجية، بينما تدفع الشعوب الثمن الأكبر.