بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كيف يواجه الإنسان الخواطر السيئة؟.. الآية 122 من سورة النساء

الدكتور علي جمعة
الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية السابق

 قال الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن الآية 122 من سورة النساء توضح الفرق بين طريق الإيمان والعمل الصالح وطريق اتباع الشيطان، وتؤكد أن الله وعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالجنة والنعيم الدائم، مشيرًا إلى أن تفسير الآية 122 من سورة النساء يحمل معاني مهمة تتعلق بمجاهدة النفس، ومقاومة الوساوس، واليقين بوعد الله.

نص الآية 122 من سورة النساء:

 قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: 122].

الإيمان والعمل الصالح طريق دخول الجنة:

 وأوضح الدكتور علي جمعة، خلال حديثه في سلسلة تفسير القرآن الكريم، أن القرآن الكريم يقابل بين طريقين واضحين؛ أولهما طريق اتباع الشيطان الذي يؤدي إلى الخسران، والثاني طريق الإيمان والعمل الصالح الذي ينتهي بالفوز بالجنة.

 وأشار إلى أن الإيمان في القرآن الكريم يرتبط بالعمل الصالح، إذ يظهر أثر الإيمان الحقيقي في سلوك الإنسان وأفعاله، ولا يظل مجرد اعتقاد نظري، بل يدفع صاحبه إلى الطاعة وفعل الخير.

 ويكشف تفسير الآية 122 من سورة النساء أن وعد الله بالجنة مرتبط بالإيمان والعمل الصالح، بما يعزز مسؤولية الإنسان عن اختياراته، ويحثه على الاستقامة ومجاهدة نفسه.

أربعة أعداء يحتاج المؤمن إلى مجاهدتهم:

 وتطرق علي جمعة إلى أن طريق المؤمن يحتاج إلى مجاهدة أربعة أعداء، هي: النفس، والهوى، والدنيا، والشيطان، موضحًا أن مقاومة هذه العوامل تتطلب يقظة مستمرة ومداومة على الطاعات.

 وأشار إلى أن كيد الشيطان ضعيف، فهو يوسوس للإنسان ويزين له المعصية، لكن يمكن دفع وساوسه بالاستعاذة بالله، والذكر، والطاعة، والانشغال بالأعمال النافعة.

 ولفت إلى أن النفس قد تكون أشد إلحاحًا من الوسوسة العابرة؛ لأنها تعود إلى الشهوة وتكرر الرغبة فيها، وهو ما يشير إليه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾.

كيف يواجه الإنسان الخواطر السيئة؟

 وبيّن الدكتور علي جمعة أن من علامات الوسوسة العارضة أن يمر خاطر المعصية بالإنسان ثم ينصرف عنه بالذكر أو الصلاة أو الطاعة، بينما قد يتكرر إلحاح النفس على الشهوة، بما يستلزم مجاهدة وتربية مستمرتين.

 ومن الوسائل التي تساعد على مقاومة الخواطر السيئة، بحسب ما عرضه في تفسيره، الوضوء، والصلاة، والصلاة على النبي ﷺ، والإكثار من الذكر، والانشغال بالعمل النافع وعمارة الدنيا.

 وتؤكد هذه المعاني أن تفسير الآية 122 من سورة النساء لا يقتصر على بيان جزاء المؤمنين في الآخرة، بل يتضمن توجيهات عملية تعين المسلم على مقاومة المعصية والثبات على الطاعة.

 أهمية الوقف والابتداء في تلاوة القرآن:

 وتناول علي جمعة أهمية مراعاة المعنى عند الوقف والابتداء أثناء قراءة القرآن الكريم، موضحًا أن القارئ ينبغي أن يتجنب الوقوف في مواضع قد تفسد المعنى أو توهم دلالة غير مقصودة.

 وضرب مثالًا بقوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، إذ ينبغي مراعاة اتصال الكلام بما يوضح أن الأنهار تجري من تحت الجنات، دون أن يؤدي الوقف إلى إيهام معنى آخر.

 وأوضح أن علم الوقف والابتداء من العلوم التي تخدم المعنى القرآني، وتسهم في صيانة التلاوة من الوقوف التي قد تغير الدلالة أو تشوش فهم الآيات.

معنى «خالدين فيها أبدًا» في الآية 122 من سورة النساء:

 وتشير عبارة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ إلى دوام نعيم الجنة واستمراره، فالجنة التي وعد الله بها المؤمنين ليست نعيمًا مؤقتًا، وإنما دار بقاء لا ينقطع نعيمها.

 كما ترسم عبارة ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ صورة للنعيم والاستقرار والجمال والفسحة التي أعدها الله لعباده المؤمنين.

 ويؤكد هذا المعنى أن تفسير الآية 122 من سورة النساء يجمع بين البشارة بالنعيم الأخروي والتأكيد على أن الفوز به يستدعي الإيمان والعمل الصالح والسعي إلى رضا الله.

«وعد الله حقًا».. اليقين بوعد الله وأثره في السلوك:

 واختتمت الآية بقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، وهي عبارة تؤكد صدق وعد الله الذي لا يدخله شك ولا خلف.

 وأوضح علي جمعة أن اليقين بوعد الله ليس مجرد فكرة ذهنية، بل قوة تؤثر في سلوك الإنسان، وتعينه على الطاعة وترك المعصية، وتمنحه الدافع لمواصلة مجاهدة النفس ومقاومة الهوى.

 وتحمل الآية كذلك تأكيدًا على قيمة الصدق، باعتباره أصلًا عظيمًا من أصول الإيمان والأخلاق، فالله سبحانه وتعالى أصدق قيلًا، ووعده حق لا يتخلف.

 وبذلك يقدم تفسير الآية 122 من سورة النساء رسالة إيمانية واضحة، مفادها أن طريق النجاة يقوم على الإيمان والعمل الصالح ومجاهدة النفس، وأن وعد الله بالجنة حق، ونعيمها دائم لا ينقطع.