بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

محافظ المنوفية الأسبق

من هو البخارى؟

 

 

هنالك مقولة شائعة، إذا أخطأ شخص فى قول ما وعاتبه أحد، فيكون الرد الشائع «هو أنا غلطت فى البخاري».

السرد التالى يروى من هو البخارى:

«البخارى» اسمه الكامل أبوعبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخارى الجعفى. ولد فى مدينة بخارى (أوزبكستان حاليا)، سنة مائة وأربعة وتسعين هجريا، وكان مولده فاتحة لمرحلة فارقة فى تاريخ الإسلام، إذ رزقت الأمة بعقل جبار قل نظيره، وهمة لا تعرف الكسل، وورع لا يجامل، وصدق لا يدخله هوى. هو الرجل الذى لم يكتف بنقل الحديث، بل وضع له منهجا دقيقا، وأحدث نقلة نوعية فى علم الرواية والضبط والتمييز بين الصحيح والسقيم، فصار يلقب بأمير المؤمنين فى الحديث، وأصبح كتابه الجامع الصحيح أو ما عرف لاحقا «بصحيح البخاري» هو أصح كتاب بعد القرآن الكريم بإجماع الأمة وعلمائها. نشأ يتيم الأب، لكن الله عوضه بأم صالحة، رأت رؤيا أن ابنها سيكون له شأن عظيم فى العلم، فربته على التقوى، وكان ضريرا فى صغره، فدعت الله بإلحاح أن يعيد إليه بصره، فرد إليه البصر كما فى الروايات القديمة الموثوقة التى نقلها ابن كثير وغيره. وبدأ حفظ الحديث وهو غلام صغير، حتى قال حفظت سبعين ألف حديث، وأعرف متونها وأسانيدها. وبلغ من قوة حفظه أنه كان يسمع الحديث مرة واحدة فيحفظه بأسانيده، وكان إذا سئل عن راوٍ ذكر نسبه وتاريخ ميلاده ووفاته وشيوخه وتلاميذه وأماكن رحلاته، بل وربما ذكر مشيته أو نبرات صوته. رحل فى طلب العلم إلى الحجاز ومصر والشام والعراق وخراسان، ولم يكن معه مال كثير، بل عاش حياة التقشف والكد. وكانت رحلته العلمية محفوفة بالمشقة، لكنه كان يقول: «جعلت كل شىء فى سبيل العلم». التقى بمئات العلماء، وكتب عن ألف وثمانين شيخا، ومن شدة حرصه على صحة الحديث، لم يضع فى صحيحه إلا ما تحقق من عدالة رواته وضبطهم وسلامة المتن من العلل والشذوذ. وقد قيل إنه انتقى صحيحه من ستمائة ألف حديث، واستخرج منها فقط حوالى سبعة آلاف حديث بالمكرر، أى أقل من واحد ونصف فى المائة، وهو ما يبين دقته الفائقة. وكان لا يكتب حديثا فى صحيحه حتى يغتسل ويصلى ركعتين ويستخير الله ثم يكتبه. هذا الورع العظيم جعله محل ثقة لا نظير لها، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل: «ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل»، وقال إسحاق بن راهوية: «كأن الله خلقه للحديث»، وقال ابن خزيمة: «ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل». ولشدة صدقه فى النقل قال الذهبى: «أجمعت الأمة أن أصح الكتب بعد كتاب الله صحيح البخاري». لكن لم يسلم هذا الجبل من الابتلاء، فقد ابتلى فى أواخر حياته بسبب فتنة خلق القرآن، واتهم بالقول بأن لفظى بالقرآن مخلوق، فغضب عليه فقهاء نيسابور، وكانوا يخشون مكانته التى طغت على شيوخهم، وطرد من بلده، وتكالبت عليه الأهواء حتى انتهى به المطاف فى قرية صغيرة اسمها خرتنك قرب سمرقند، وهناك مات فى ليلة عيد الفطر سنة مائتى وستة وخمسين هجريا، بعد أن قال دعاء يهز القلوب. اللهم قد ضاقت على الأرض بما رحبت فاقبضنى إليك، فاستجيب دعاؤه ودفن فى تلك القرية ليطوى جسده ويخلد علمه. ترك البخارى كتبا أخرى غير الصحيح مثل الأدب المفرد، والتاريخ الكبير، وخلق أفعال العباد، لكنها لم تبلغ شهرة صحيحه. والحق أن كتابه لم يكن مجرد جمع للأحاديث، بل كان بناء علميا قائما على الفقه والتبويب والاستنباط، فكان يضع الحديث فى الباب الفقهى بدقة مدهشة، ويضع العناوين الترجمة الفقهية بما يدل على فقه عميق، حتى قال ابن حجر فى شرحه فتح البارى «فقه البخارى فى تراجمه». وقال بعضهم: أبوحنيفة صاحب القياس، والشافعى صاحب الأصول، والبخارى صاحب الفقه الدقيق المستنبط من الحديث. واليوم لا تذكر السنة إلا وذكر البخارى، ولا يطعن فيه طاعن إلا وسقط علمه وسقط عدله، فإن الطعن فى البخارى هو طعن فى أصل السنة، ولو فتح هذا الباب لانهدمت العلوم واهتزت الثقة بالتراث، وهو ما يسعى له أعداء الدين من داخل الأمة وخارجها.