الاستعداد للسيناريوهات الأسوأ فى الشرق الأوسط
يقينى وحدسى يُنبئانى أن الشرق الأوسط حتى الثالث من نوفمبر القادم، موعد انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى، شىء، وما بعد هذا التاريخ شىء آخر. وهذا التقدير لا يتعلق بنتيجة الانتخابات أيّاً ما كانت، لكنه يرتبط فى جزء كبير منه بطبيعة وسمات شخصية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى لن يكون «بطة عرجاء» حتى نهاية ولايته الأخيرة، لأنه عندما يتعلق الأمر بشخصية بحجم دونالد ترامب وطبيعته السياسية الصدامية، فإن انتهاء محطة «التجديد النصفى» يُزيل فعلياً ما يمكن أن نُطلق عليه «الفرامل الانتخابية» التى كانت تفرض شيئاً من الحذر المؤقت لإرضاء الناخب الأمريكى، وحماية مرشحى الحزب الجمهورى فى الدوائر المحتدمة.
فى الديمقراطيات ذات الدورات الانتخابية القصيرة والمتكررة، كما هو الحال فى الولايات المتحدة، تُمثّل الانتخابات قيداً مؤثراً على تحركات الرئيس، أو رئيس الوزراء فى الأنظمة البرلمانية. لذا، يضطر الرئيس الأمريكى -حتى وإن كان ميالاً لاستخدام القوة- إلى حساب تكاليف ارتفاع أسعار الوقود والتضخم، والاعتبار لضغط الشارع الرافض للحروب الطويلة أو المكلفة، وذلك تفادياً لخسارة حزبه مقاعد الكونجرس. ومع ذلك، فبمجرد انتهاء الاستحقاق الانتخابى، يتلاشى هذا القيد تماماً.
وبما أن الرؤساء الأمريكيين لا يحق لهم الترشح لولاية ثالثة، فإن الفترة المتبقية من ولاية ترامب الثانية ستتحول إلى مرحلة تحرُّر كامل من ضغوط إعادة الانتخاب. هذا الوضع يمنح القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية حرية حركة مطلقة لتنفيذ رؤيته الخاصة تجاه خصوم الإقليم وفى مقدمتهم وعلى رأسهم إيران ووكلائها، وبغض النظر عن ردود الفعل الشعبية قصيرة الأجل. يميل ترامب تاريخياً إلى استخدام سياسات حافة الهاوية والضربات الصادمة أو التلويح بها، والتفاوض تحت النار كوسيلة لفرض شروط تفاوضية قاسية، ومع تآكل الصبر الاستراتيجى لديه حيال المواجهة المعلقة، قد يرى فى التصعيد العسكرى المباشر والواسع الأداة الأسرع لكسر الجمود – حتى لو أدى ذلك إلى هزات إقليمية كبرى.
إذا ما ربطنا قراءة سيناريوهات التصعيد الأمريكى المرتقب ما بعد الانتخابات، وخاصة مع طبيعة شخصية ترامب واندفاعه غير المقيد بالحسابات الانتخابية، بالمواقف والرسائل التى وجهها الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال فعاليات الندوة التثقيفية الـ44 للقوات المسلحة وحفل أكاديمية الشرطة، تتبدى بوضوح رؤية الدولة المصرية الاستباقية فى التعامل مع هذه الضبابية الإقليمية. بدا حديث الرئيس السيسى فى الندوة التثقيفية للقوات المسلحة، وما تلاه فى اليوم التالى بحفل تخرج كلية الشرطة، وكأنه استشرافٌ للمستقبل القريب، لكنه استشرافٌ مفعمٌ بالقلق والتحذير من تحدياتٍ جسام وتهديداتٍ تمس الأمن القومى المصرى بشكلٍ مباشر. لقد استشرف الرئيس مرحلةً إقليميةً أكثر خطورة، وأكد مجدداً أن الحفاظ على الدولة المصرية وتماسك جبهتها الداخلية سيصبح أكثر إلحاحاً فى المرحلة المقبلة، فى ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، وتفاعلاتٍ دولية مفتوحة على احتمالاتٍ متعددة.
وفى الندوة التثقيفية، شدد الرئيس على أن الخطر لا يقتصر على التحديات الاقتصادية أو العسكرية فحسب، بل يمتد ليشمل الوعى الوطنى والذاكرة الجمعية وقدرة المجتمع على التمييز بين الحقائق وحملات التضليل. وفى اليوم التالى، جاء حديثه فى أكاديمية الشرطة أكثر تركيزاً على المستقبل، حيث حذر من أن الضغوط على الدولة المصرية واستهدافها قد يتصاعدان خلال المرحلة المقبلة. لذلك أقول علينا أن نتحسب لأسوأ السيناريوهات، لا من باب التشاؤم، وإنما من منطلق المسؤولية الاستراتيجية وقراءة التحولات من حولنا. والاستعداد للسيناريوهات الأسوأ لسياسات واشنطن المندفعة يتطلب جبهة داخلية واعية، وتنسيقاً إقليمياً لحماية الأمن القومى المصرى والعربى.
حفظ الله مصر، وصان أمنها القومى، وحفظ الأمة العربية من أخطار الصراعات المفتوحة.