بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

من نصر أكتوبر إلى مأزق الاقتصاد: هل أخطأنا في الانفتاح أم في غياب الدولة الصناعية؟

في ذكرى انتصارات أكتوبر، لا ينبغي أن نستعيد عبور قناة السويس باعتباره انتصارًا عسكريًا فقط، بل علينا أن نتساءل: ماذا فعلنا بالانتصار بعد أن انتهت المعركة؟ وهل نجحنا في تحويل الإرادة الوطنية إلى قوة إنتاجية تحمي استقلال القرار الاقتصادي؟

بعد حرب 1973، كان الانفتاح الاقتصادي ضرورة في جانب مهم منه؛ فمصر كانت تحتاج إلى رأس المال والتكنولوجيا والأسواق والاندماج في الاقتصاد العالمي. لذلك لم يكن الخطأ في فتح الاقتصاد، وإنما في فتحه دون بناء الدولة الصناعية القادرة على إدارة اقتصاد مفتوح.

المشكلة بدأت عندما أصبح الاستيراد في أحيان كثيرة أسهل وأسرع وأكثر ربحية من الإنتاج.

فالمصنع يحتاج إلى سنوات من الاستثمار والتحديث والتكنولوجيا والعمالة والتدريب والتمويل والتسويق، بينما يستطيع المستورد أن يشتري المنتج جاهزًا ويبيعه في السوق. فإذا كانت منظومة الحوافز تجعل التجارة والاستيراد أسرع عائدًا من الصناعة، فمن الطبيعي أن يتحرك جزء من رأس المال نحو النشاط الأسرع ربحًا.

وهنا لا تكون المشكلة في التاجر، بل في النظام الاقتصادي الذي صمم الحوافز.

وهكذا لم تختفِ الصناعة المصرية في يوم واحد؛ وإنما بدأ التآكل تدريجيًا:

تقادم معدات → ضعف استثمار → تراجع إنتاجية → ارتفاع تكلفة → فقدان القدرة التنافسية → زيادة الاستيراد → مزيد من تراجع الإنتاج → خسائر → ثم يصبح المصنع نفسه متهمًا بأنه غير اقتصادي.

والأخطر أن الخسارة كانت أحيانًا تُعامل باعتبارها سببًا للتخلص من الأصل، بدل أن تكون إنذارًا بضرورة إعادة هيكلته وتحديثه.

لم تكن المشكلة أن مصر لا تملك مصانع، بل أنها فقدت تدريجيًا الرؤية التي تربط الصناعة بالتجارة والتمويل والجمارك والتكنولوجيا والتصدير.

فالدولة الصناعية لا تعني أن الحكومة يجب أن تمتلك كل المصانع، وإنما أن تكون لديها إجابة واضحة عن أسئلة أساسية:

ماذا ننتج؟ ماذا نستورد؟ ماذا نصدر؟ ما الصناعات التي نحميها مؤقتًا؟ وما الصناعات التي يجب أن تصبح قاطرة للتصدير؟ وكم يضيف كل استثمار إلى القيمة المضافة المحلية وصافي العملة الأجنبية؟

لكن عندما يصبح الاقتصاد مفتوحًا بينما تظل السياسة الصناعية غائبة أو متقطعة، يتحول الانفتاح من فرصة للاندماج في الاقتصاد العالمي إلى نافذة واسعة لدخول منتجات الآخرين.

وهنا ظهرت المفارقة الأخطر:

العملة الأجنبية أصبحت متاحة من تحويلات العاملين والسياحة وقناة السويس والنفط والمساعدات والاقتراض وغيرها، فأصبح بالإمكان تمويل الاستيراد والاستهلاك دون أن يكون كل توسع في الواردات مرتبطًا بتوسع مماثل في القدرة الإنتاجية والتصديرية.

ثم جاءت مراحل الخصخصة وإعادة الهيكلة، فكان السؤال الذي يجب أن يُطرح قبل بيع أي أصل صناعي:

ماذا سيحدث لقدرة مصر الإنتاجية بعد البيع؟

هل سيُضخ استثمار جديد ويُطور المصنع وتزداد صادراته؟

أم يتحول المصنع إلى أرض، ويتحول الأصل الإنتاجي إلى أصل عقاري، ثم تستورد مصر المنتج الذي كانت تنتجه؟

هنا لا يصبح السؤال: كم حصلنا من بيع الأصل؟ بل: كم خسرنا من القدرة الإنتاجية التي كان يمكن أن تولد دخلاً لعشرات السنين؟

وهذا هو جوهر القضية.

لسنا بحاجة إلى العودة إلى اقتصاد مغلق، ولا إلى إعادة كل شركات القطاع العام إلى ما كانت عليه، ولا إلى شيطنة القطاع الخاص أو المستورد.

نحن بحاجة إلى شيء أكثر عقلانية وحسمًا:

اقتصاد مفتوح تقوده دولة صناعية واعية.

دولة تجعل الجمارك جزءًا من السياسة الاقتصادية والصناعية، وتجعل التمويل يخدم الإنتاج كما يخدم التجارة، وتقيس الاستثمار بالقيمة المضافة وصافي تدفق العملة الأجنبية والتكنولوجيا والتصدير، ولا تسمح بأن تتحول الأصول الصناعية إلى أصول عقارية لمجرد تعثر الشركة.

فالمشكلة لم تكن أن مصر فتحت اقتصادها.

المشكلة أنها لم تبنِ بالسرعة نفسها الدولة القادرة على إدارة هذا الاقتصاد المفتوح.

وفي ذكرى أكتوبر، ربما يكون هذا هو السؤال الأهم:

لقد استعدنا الأرض بالسلاح… فهل استطعنا أن نحمي السيادة الاقتصادية بالإنتاج؟

لأن السيادة لا تكتمل بدولة تستورد ما تستطيع إنتاجه، ولا باقتصاد يستهلك العملة الأجنبية أسرع مما يولدها.

المعركة الاقتصادية الحقيقية اليوم ليست استعادة الماضي، وإنما استعادة القدرة على الإنتاج.