«خلّوا بالكم من مصر».. وصية وطن فى زمن حروب الوعى
ليست كل المعارك التى تخوضها الأوطان تُحسم بالسلاح، فهناك معارك تدور فى العقول، وتستهدف الذاكرة، وتسعى إلى إضعاف الثقة فى الدولة وقدرة أبنائها على حماية مستقبلهم. ومن هنا جاءت الرسائل المهمة التى حملتها كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة، بعنوان «وطن الأبطال»، بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة.
لقد أعاد الرئيس طرح قضية الوعى الوطنى باعتبارها أحد أهم خطوط الدفاع عن الدولة المصرية، مؤكدًا أن التحديات لا تنتهى بانتهاء الحروب العسكرية، وأن محاولات التشكيك فى التاريخ وتزييف الحقائق وبث الشائعات تستهدف فى جوهرها إضعاف إرادة الشعوب والنيل من ثقتها فى وطنها.
وهنا تكمن أهمية استدعاء دروس أكتوبر، فالنصر لم يكن مجرد عبور لقناة السويس وتحطيم خط بارليف، وإنما كان انتصارًا للإرادة المصرية، واستعادة للثقة فى قدرة هذا الشعب على تجاوز الانكسار وصناعة المستحيل. لقد أثبتت حرب أكتوبر أن الإنسان المصرى، حين يمتلك الهدف والإرادة وينتظم خلف مشروع وطنى واضح، يستطيع تغيير موازين القوى وفرض واقع جديد.
وإذا كانت مصر قد خاضت فى أكتوبر معركة استعادة الأرض، فإنها تخوض اليوم معركة متجددة لحماية الوعى وصون الهوية الوطنية، فى ظل عالم أصبحت فيه المعلومة سلاحًا، والشائعة أداة للتأثير، ومنصات التواصل الاجتماعى ساحات مفتوحة لحروب نفسية تستهدف عقول المواطنين، ولا سيما الشباب.
ومن أخطر ما تواجهه المجتمعات أن تتحول الأكاذيب المتكررة إلى حقائق فى أذهان البعض، أو أن تصبح الذاكرة الوطنية مجالًا للتشكيك والمزايدة. فالأمم التى تفقد ثقتها فى تاريخها تصبح أكثر عرضة لفقدان بوصلتها، والشعوب التى لا تدرك حجم التحديات المحيطة بها قد تجد نفسها أمام أزمات لم تستعد لها.
ومن هنا تبرز مسئولية الإعلام الوطنى، ليس باعتباره ناقلًا للأخبار فحسب، وإنما شريكًا فى بناء الوعى، من خلال التحقق من المعلومات، وكشف التضليل، وتقديم الحقائق بلغة واضحة ومقنعة، بعيدًا عن المبالغة والانفعال. فالمواجهة الحقيقية للشائعة لا تكون بمجرد نفيها، بل بتقديم المعلومة الصحيحة فى الوقت المناسب، واحترام عقل المواطن، وتعزيز قدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف.
كما حملت كلمة الرئيس تأكيدًا واضحًا على احترام الدستور وصون مؤسسات الدولة، فى رسالة تضع الاستقرار وسيادة القانون فى قلب المسؤولية الوطنية. فالدولة ليست أشخاصًا عابرين، وإنما مؤسسات وحقوق وواجبات وإطار ينظم العلاقة بين المواطنين، ويحمى حاضر المجتمع ومستقبله.
ولعل الدرس الأهم الذى يمكن استخلاصه من أكتوبر، ومن تجارب مصر عبر تاريخها الحديث، هو أن بناء الدول يحتاج إلى نفس طويل، وأن التحديات الاقتصادية والتنموية لا تُواجه بالشعارات، وإنما بالعمل والإنتاج والعلم والصبر، وبقدرة المجتمع على تحويل الاختلاف إلى طاقة للبناء لا وسيلة للهدم.
كذلك جاءت رسائل الرئيس بشأن السياسة الخارجية لتؤكد ثوابت الموقف المصرى الداعى إلى السلام والاستقرار، ورفض الاعتداء على الحقوق، والتمسك بحل عادل للقضية الفلسطينية، مع التأكيد أن أمن مصر القومى وأمن أشقائها فى الخليج يرتبطان باستقرار المنطقة بأسرها.
إن عبارة الرئيس «خلّوا بالكم من مصر.. خلّوا بالكم من بلدكم» تتجاوز كونها خاتمة لكلمة فى مناسبة وطنية، إنها دعوة إلى مسئولية مشتركة، تبدأ من وعى المواطن، وتمر عبر الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام، وصولًا إلى كل مؤسسة تعمل من أجل الوطن.
فمصر التى عبرت فى أكتوبر من الهزيمة إلى النصر، قادرة على مواصلة طريقها متى امتلك أبناؤها الوعى والإرادة والعمل الجاد. وستظل حماية الوطن مسؤولية لا تحتمل الغفلة، لأن الأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل يحميها أيضًا عقل واعٍ، وذاكرة أمينة، ومجتمع يدرك أن اختلاف الآراء لا ينبغى أن يكون مدخلًا لهدم الدولة، وأن قوة مصر الحقيقية تكمن فى شعبها وتماسك مؤسساتها وقدرتها على التعلم من الماضى وصناعة المستقبل.
إن الحفاظ على مصر ليس شعارًا نردده فى المناسبات، بل عهد يتجدد كل يوم، بالوعى والعمل والانتماء، وبأن نضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.