«ياخبر!»
«عار» كولومبيا.. من القطيعة إلى القدس
فى تحول دبلوماسى بغيض مخالف للإجماع الدولي أعلنت جمهورية كولومبيا رسمياً عن افتتاح سفارتها الجديدة فى مدينة القدس المحتلة، ففى خطوة تقوض فرص تحقيق السلام العادل والشامل القائم على حل الدولتين، وتشجع سلطات الاحتلال على المضى قدماً فى سياساتها الاستيطانية وفرض سياسة الأمر الواقع.
تعد كولومبيا الدولة العاشرة التى تُقدم على هذه الخطوة المثيرة للجدل الدولى منذ أن بدأها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى عام 2018 أثناء ولايته الأولى.
جاء هذا التحول الحاد فى كولومبيا بمثابة استدارة كاملة فى السياسة الخارجية لبوجوتا، تعكس تغيرات سياسية داخلية عميقة طرأت على هرم السلطة وتحول جذرى وغير متوقع فى مسار الدبلوماسية يمكننا وصفه بانقلاب كامل فى بوصلة السياسة الخارجية الكولومبية تجاه الشرق الأوسط، ولاشك أيضا أنه مدفوع بمتغيرات سياسية داخلية عميقة شهدتها كولومبيا مع صعود التيار اليمينى المحافظ إلى سدة الحكم، فبعد عامين من القطيعة التامة مع إسرائيل، لم تكتف السلطة الجديدة بعودة العلاقات مع الكيان الصهيونى فحسب، ولكنها قررت أن تستفز العالم وتتحدى القانون الدولى وتضرب عرض الحائط بالشرعية الدولية،
حتى نرتب الخيوط من بداياتها، ونعرف لماذا حدث ذلك، لا بد من العودة إلى المشهد السياسى السابق فى كولومبيا، ففى مايو من عام 2024، اتخذ الرئيس الكولومبى اليسارى السابق جوستافو بيترو قراراً حاسماً بقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع إسرائيل، وإلغاء اتفاقية التجارة الحرة، تعبيراً عن تنديده الشديد بالعمليات العسكرية الإسرائيلية فى قطاع غزة، والتى وصفها آنذاك بـ «الإبادة الجماعية»، غير أن المشهد تغير رأساً على عقب منذ تولى الرئيس اليمينى المحافظ، أبيلاردو دى لا إسبيريا، مقاليد السلطة فى أغسطس 2026، الذى جاء محملا بكل خطايا اليمين فى العالم، إذ وضع الرئيس الجديد إعادة ترميم التحالف الاستراتيجى مع تل أبيب وواشنطن على رأس أولوياته، منفذاً وعوداً انتخابية قطعها بالتراجع عن سياسات سلفه وإظهار الدعم المطلق لإسرائيل، وهذا بلا شك سيقوى علاقته بواشنطن ويضمن أنه آمن فى السنتين المتبقيتين على الأقل من ولاية ترامب، وربما حتى لا يجد نفسه بين عشية وضحاها فى نفس مصير مادورو فى فنزويلا.
خلال مراسم هذا الحفل المشبوه، أشاد المسؤولون الإسرائيليون بالخطوة، حيث اعتبرها وزير الخارجية الإسرائيلى جدعون ساعر «بداية عصر ذهبى» فى العلاقات الثنائية، واعترافاً بما وصفه «الحقيقة التاريخية والسياسية للقدس»، وفى المقابل، صرح وزير الخارجية الكولومبى بأن هذه الخطوة تعيد العلاقات إلى مسارها الطبيعى، واصفاً إسرائيل بأنها «شريك استراتيجى قوى لا ينبغى الانفصال عنه». والمفارقة التاريخية المؤلمة فى هذا الافتتاح تمثلت فى اختيار مبنى «سلامة» كمقر للسفارة، وهو مبنى تاريخى شهير فى القدس يعود ملكيته لرجل الأعمال الفلسطينى، قسطنطين سلامة، الذى شيده فى عشرينيات القرن الماضى قبل أن تسيطر عليه السلطات الإسرائيلية.
أثار هذا القرار موجة عارمة من التنديد والاستنكار على المستويين الفلسطينى والعربي، وسارعت السلطة الوطنية الفلسطينية، إلى إدانة الخطوة بشدة، معتبرة إياها اعتداءً صارخاً على حقوق الشعب الفلسطينى، وانتهاكاً صريحاً للقوانين والقرارات الدولية التى تؤكد أن القدس الشرقية هى العاصمة الأبدية لدولة فلسطين المستقبلية ضمن حدود عام 1967، وأصدرت جامعة الدول العربية بياناً حاداً أكدت فيه أن الوضع القانونى والتاريخى لمدينة القدس لا يمكن تغييره بقرارات أحادية أو إجراءات دبلوماسية مخالفة للإجماع الدولى. وذكّرت الجامعة بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ولا سيما القرارين 476 و478 لعام 1980، والقرار 2334 لعام 2016، وهى القرارات التى تدعو الدول إلى سحب بعثاتها من المدينة المحتلة وعدم الاعتراف بأى تغييرات تطرأ على حدود ما قبل حرب عام 1967، كما أدانت قوى إقليمية كبرى مثل مصر والسعودية والجزائر والأردن والبرلمان العربى القرار الكولومبى بأشد العبارات. وأجمعت بيانات وزارات الخارجية العربية على أن هذه الخطوات الأحادية تعد «باطلة ولاغية ولا يترتب عليها أى أثر قانونى..
يظهر افتتاح السفارة الكولومبية بالقدس كيف يمكن للتحولات السياسية الداخلية وصعود قوى اليمين المتطرف فى أمريكا اللاتينية أن تعيد تشكيل الخارطة الدبلوماسية الدولية على حساب الثوابت الأخلاقية والقانونية. ورغم الاحتفاء الإسرائيلى بهذا الاختراق الدبلوماسى الجديد، إلا أن هذه الخطوة تظل معزولة فى إطار المجتمع الدولى، وتضع كولومبيا فى مواجهة مباشرة مع القانون الدولى والشرعية الأممية، وتعمق من تعقيدات الصراع فى المنطقة عبر القفز فوق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى.