بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

​وثيقة عبور الاقتصاد المصرى (2026 - 2031)

​خارطة طريق وطنية لاستدامة التنمية واستقلال القرار الاقتصادى

​إن بناء الأوطان وصمودها أمام العواصف الاقتصادية العالمية العاتية لا يتأتيان بالحلول المُسكنة أو النمطية، بل يتطلبان رؤى جريئة خارج الأطر التقليدية، وعقولاً وطنية واعية تضع المصلحة العليا لمصر فوق كل اعتبار. ومن هذا المنطلق، تبرز «الجمهورية الجديدة» ليس فقط كشعار للمستقبل، بل كرمز حقيقى للنمو والازدهار المستدام القائم على العلم والتخطيط المحكم.

​وانطلاقاً من إيمان مطلق بقدرات مصر البشرية والطبيعية، تتبلور هذه الاستراتيجية المتكاملة لترسيخ دعائم اقتصاد وطنى مرن، عبر إرساء شراكة متوازنة ومسئولة بين الدولة والقطاع الخاص، وتوطين الصناعة المحلية، وصيانة المقدرات الوطنية للأجيال القادمة.

​دعائم الرؤية: حماية الموارد وتعميق الإنتاج

​ترتكز فلسفة النهوض الاقتصادى فى هذه الوثيقة على محاور حيوية ومدروسة تهيئ بيئة الأعمال للاستدامة والتنافسية. يأتى فى مقدمة ذلك الاستمرار فى تطوير البنية التحتية، والشبكات اللوجستية، والنقل الذكى، والربط القاري، لتحويل مصر إلى مركز إقليمى رائد لسلاسل الإمداد العالمية وتسهيل حركة التجارة.

​ويوازى ذلك تطبيقٌ أمين وشفاف لـ«وثيقة سياسة ملكية الدولة»، لتمكين القطاع الخاص الوطنى من قيادة قاطرة الإنتاج والتصدير، ولكن تحت مظلة تنظيمية ورقابية حازمة تتولاها الدولة، لضبط الأسواق، ومنع الممارسات الاحتكارية، وصيانة حقوق المواطن ومحدودى الدخل.

كما تشمل الركائز الأساسية توطين الصناعة عبر حوافز مستهدفة لتعميق التصنيع المحلى وإيجاد بدائل للمستلزمات المستوردة، إلى جانب إدارة الموارد المائية والزراعية بكفاءة عالية عبر المشروعات القومية لمعالجة المياه وتعميم الرى الحديث للوصول إلى الأمن الغذائى المستدام. ولا تكتمل هذه الركائز دون الانطلاق نحو الاقتصاد الأخضر، عبر استغلال الإمكانات الواعدة فى طاقات الرياح والشمس، والتوسع فى مشروعات الهيدروجين الأخضر والاقتصاد الدائرى لخفض الانبعاثات الكربونية.

​محاور الإنعاش: دمج القطاعات الحيوية

​تقوم هذه الرؤية على الدمج والتكامل بين أربعة أوردة رئيسية تُغذى الجسد الاقتصادى المصرى:

أولاً: البنية الرقمية والإدارية كَمُحَرِّكٍ أساسي، عبر تدشين منصة رقمية موحدة (One-Stop Shop) تعمل بالذكاء الاصطناعى لدمج كافة التراخيص الاستثمارية، والقضاء الشامل على البيروقراطية، وتوجيه المستثمرين مباشرة للمناطق الصناعية المتخصصة، مدعومة بتفعيل صناديق رأس المال المخاطر للشركات الناشئة.

​ثانياً: تمكين القطاع الإنتاجى وسلاسل الإمداد، من خلال إطلاق منصة قومية تربط المصانع الكبرى بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة لإحلال المدخلات المستوردة بمنتجات محلية مطابقة للمواصفات الدولية. يرافق ذلك تعظيم العائد اللوجستى لموردى قناة السويس والموانئ المصرية لجذب المصانع العالمية للتمركز والتصدير نحو إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

ثالثاً: اقتصاد المعرفة وقطاع التعهيد كعائد سريع للعملة الصعبة، بالاستثمار المكثف فى رأس المال البشرى، وتدريب الشباب تقنياً بالشراكة مع الشركات العالمية لتصدير الخدمات الرقمية والهندسية، وإدخال أدوات الذكاء الاصطناعى والثورة الصناعية الرابعة لرفع كفاءة الزراعة والصناعة.

رابعاً: التحول الأخضر كضمانة للاستدامة، بالتوسع فى الزراعة التعاقدية الذكية لتأمين المحاصيل الاستراتيجية بأسعار مضمونة للمزارعين، وتغطية المجمعات الصناعية بالطاقة النظيفة لتجاوز قيود ضريبة الكربون الحدودية والتوافق مع معايير التصدير الدولية.

​خارطة الطريق التنفيذية (2026 - 2031)

لتطبيق هذه الرؤية، تعتمد الخطة مساراً تسريعياً منضبطاً مقسماً على ثلاث مراحل متتالية:

​المرحلة الأولى (2026 - 2027) - التدخل العاجل واستقرار الأسواق: تستهدف كبح جماح التضخم وتوفير سيولة سريعة من النقد الأجنبى. وتتحقق عبر الإطلاق الكامل للنافذة الرقمية الموحدة لخفض زمن تأسيس الشركات بنسبة 70%، وتفعيل منصة المورّد المحلى لتقليص واردات مستلزمات الإنتاج بنسبة 15%، مع إطلاق المبادرة القومية لتأهيل الكوادر فى قطاع التعهيد.

​المرحلة الثانية (2027 - 2029) - التمكين والتوسع الإنتاجى: تركز على تعميق التصنيع المحلى وأتمتة القطاع الزراعى. وتشمل التوسع فى الزراعة التعاقدية والرى الحديث لتقليص الفجوة الغذائية ورفع كفاءة استخدام المياه بنسبة 25%، وتوطين صناعات الطاقة النظيفة ومحللات الهيدروجين لتغطية 30% من احتياجات المصانع.

​المرحلة الثالثة (2029 - 2031) - الحصاد والاندماج العالمى: ترمى إلى ترسيخ موقع مصر كمركز إقليمى متكامل. وتتحقق بالتشغيل الكامل للممر اللوجستى لمحور قناة السويس ومضاعفة عائدات التجارة العابرة، والتطبيق الإلزامى لمعايير الاقتصاد الدائرى وإعادة التدوير الشامل.

​الحوكمة وضمانات النجاح

​إن نجاح أي استراتيجية مرهونٌ بآليات متابعة صارمة، لذا تقترح الوثيقة إنشاء «وحدة متابعة ورصد لحظى» تابعة لمجلس الوزراء لمراقبة مؤشرات الأداء الرئيسى (KPIs) لكل قطاع وتذليل العقبات فوراً. كما تشترط الوثيقة توفير بيئة تشريعية مستقرة وثابتة تبعث برسائل اطمئنان حقيقية للمستثمر المحلّى والأجنبى.

​والأهم من ذلك كله، هو الحفاظ على فلسفة «الشراكة الوطنية المسئولة»، بحيث تؤدى الحكومة دور المُنظّم والمُيسّر والحكم العادل، مع رقابة حازمة لمنع الاحتكار أو المغالاة التجارية، لضمان أن يصب كل نجاح اقتصادى يتحقق فى النهاية مباشرةً فى صالح المواطن المصرى، واستقرار أسعاره، وجودة حياته.

​خاتمة

​إن هذه الوثيقة تُمثّل عهداً وفكراً وطريقة عمل نضعها بين يدى القيادة السياسية وصانعى القرار، لتكون بمثابة خارطة طريق هندسية دقيقة تضمن التعافى الناجز للاقتصاد المصرى، والانطلاق بثبات نحو آفاق الجمهورية الجديدة، بما يحفظ حقوق الأجيال القادمة ويرسخ مكانة مصر الإقليمية والدولية.