بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

من دروس أكتوبر إلى تحديات المنطقة.. الوعي ركيزة استقرار مصر

بوابة الوفد الإلكترونية

في ظل التحديات الإقليمية والدولية المتلاحقة، وتصاعد حدة التوترات في المنطقة، وتزايد الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل اتجاهات الرأي العام، بات الحفاظ على الوعي الوطني ومواجهة الشائعات وحملات التضليل من الملفات المهمة المرتبطة بالأمن القومي للدول. 

ولم تعد التهديدات التي تواجه المجتمعات تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة أو الصراعات التقليدية، بل امتدت إلى ساحات أخرى تستهدف العقول والوعي الجمعي، من خلال تداول المعلومات المضللة، ومحاولات تشويه الحقائق التاريخية، وإثارة الشكوك حول المؤسسات الوطنية، بما قد يؤثر على تماسك المجتمعات وقدرتها على مواجهة الأزمات.

انتشار المعلومات عبر الفضاء الإلكتروني

وتزداد أهمية هذه التحديات في ظل التطور السريع لوسائل الاتصال وانتشار المعلومات عبر الفضاء الإلكتروني، حيث أصبحت الشائعات قادرة على الوصول إلى قطاعات واسعة من المواطنين خلال فترات زمنية قصيرة، الأمر الذي يفرض ضرورة تعزيز الوعي المجتمعي، وترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات، والاعتماد على المصادر الموثوقة، إلى جانب تطوير آليات التعامل مع محاولات التضليل التي تستهدف التأثير على الرأي العام أو إثارة الانقسامات الداخلية.

 اكتسبت الرسائل التي تضمنتها كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة، التي أُقيمت بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، أهمية خاصة، لما حملته من تأكيدات بشأن ضرورة الحفاظ على الدولة المصرية ومقدراتها، وتعزيز تماسك الجبهة الداخلية، واستلهام الدروس المستفادة من المحطات التاريخية الفارقة في مسيرة الوطن، بما يساعد على فهم طبيعة التحديات الراهنة والتعامل معها بقدر أكبر من الوعي والمسؤولية.

وتعيد هذه الرسائل طرح تساؤلات مهمة حول طبيعة الحروب الحديثة، وحدود تأثير الشائعات والمعلومات المضللة على استقرار الدول، ودور الوعي الوطني في حماية الأمن القومي، خاصة في ظل الأزمات التي تشهدها المنطقة، وما تفرضه من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متشابكة. كما تسلط الضوء على أهمية الربط بين حماية الذاكرة الوطنية والحفاظ على الهوية، وبين قدرة المجتمع على مواجهة محاولات التشكيك في إنجازاته أو استغلال الأزمات للتأثير على ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

وفي هذا الإطار، أكد الدكتور أحمد يحيى، الخبير الاستراتيجي، أن رسائل الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة تعكس إدراكًا لأهمية الوعي الوطني باعتباره أحد الركائز الأساسية للأمن القومي المصري، موضحًا أن حماية الدولة لا ترتبط فقط بامتلاك القدرات العسكرية والأمنية، وإنما تعتمد أيضًا على تماسك المجتمع، ووعي المواطنين بطبيعة التحديات التي تواجه البلاد، وقدرتهم على التمييز بين المعلومات الصحيحة والشائعات التي تستهدف إثارة البلبلة.

وأوضح يحيى أن طبيعة التهديدات التي تواجه الدول شهدت تغيرات ملحوظة خلال السنوات الماضية، إذ لم تعد المواجهات العسكرية التقليدية هي الوسيلة الوحيدة للضغط على الدول أو التأثير على استقرارها، بل أصبحت حروب المعلومات والتأثير النفسي ومحاولات توجيه الرأي العام جزءًا من أدوات الصراع الحديثة. وأضاف أن منصات التواصل الاجتماعي تتيح سرعة انتشار المعلومات، لكنها قد تُستغل أيضًا في تداول أخبار غير دقيقة أو محتوى مضلل يستهدف التأثير على توجهات المواطنين وإثارة الانقسامات داخل المجتمع.

وأشار الخبير الاستراتيجي إلى أن تأكيد أهمية حماية الذاكرة الوطنية واستحضار دروس حرب أكتوبر 1973 يعكس ضرورة الحفاظ على الوعي بالتجارب التاريخية التي شكلت وجدان المصريين، لافتًا إلى أن استدعاء هذه التجارب لا يقتصر على الاحتفاء بالانتصارات العسكرية، وإنما يمتد إلى استخلاص الدروس المتعلقة بالتخطيط والاستعداد والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية الوطنية في مواجهة التحديات.

ظروف بالغة الصعوبة

وأضاف أن حرب أكتوبر تمثل نموذجًا مهمًا لقدرة الدولة المصرية على توحيد جهود مؤسساتها وشعبها لتحقيق هدف وطني، في ظل ظروف بالغة الصعوبة، موضحًا أن الانتصار لم يكن وليد لحظة واحدة، بل جاء نتيجة التخطيط والإعداد والتنسيق بين مختلف عناصر القوة، وهو ما يؤكد أن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب رؤية واضحة، واستعدادًا مستمرًا، وتكاملًا بين المؤسسات والمجتمع.

وفيما يتعلق بالمقارنة بين التحديات التي واجهتها مصر عام 1973 وتلك التي شهدتها عام 2013، أوضح يحيى أن قراءة المحطات التاريخية المختلفة تساعد على فهم طبيعة الأزمات التي تمر بها الدول، وتكشف أهمية الحفاظ على مؤسساتها الوطنية وتماسك جبهتها الداخلية خلال اللحظات الفارقة. وأكد أن استقرار الدول يرتبط بقدرتها على إدارة الأزمات، والحفاظ على مؤسساتها، وتوحيد الجهود لمواجهة المخاطر، مع الاستفادة من الخبرات السابقة لتجنب تكرار الأخطاء وتعزيز القدرة على التعامل مع المتغيرات.

وشدد الخبير الاستراتيجي على أن الوعي الوطني لا ينبغي أن يقتصر على معرفة الأحداث التاريخية أو متابعة التطورات السياسية، بل يجب أن يتحول إلى سلوك يومي يقوم على المسؤولية في تداول المعلومات، واحترام الحقائق، وعدم الانسياق وراء المحتوى المجهول أو الأخبار التي تفتقر إلى مصادر موثوقة. وأوضح أن مواجهة الشائعات مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون المؤسسات الرسمية والإعلامية والتعليمية والمجتمعية، بما يسهم في بناء بيئة معلوماتية أكثر وعيًا وقدرة على التصدي للتضليل.

وأضاف يحيى أن تعزيز الوعي لدى الشباب يمثل أولوية مهمة، نظرًا إلى اتساع استخدامهم للمنصات الرقمية وتفاعلهم المستمر مع ما يُنشر عليها من أخبار وآراء. وأكد ضرورة الاهتمام بتنمية مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات، بما يساعد الشباب على تقييم المحتوى الذي يتلقونه، والتمييز بين الوقائع والآراء، وعدم إعادة نشر المعلومات قبل التأكد من صحتها.

وفي سياق متصل، أشار الخبير الاستراتيجي إلى أن تأكيد الرئيس السيسي أهمية العمل والصبر يعكس ضرورة استمرار الجهود الرامية إلى تعزيز قدرات الدولة الاقتصادية والتنموية، موضحًا أن بناء الدول عملية ممتدة تحتاج إلى تخطيط طويل الأجل، ورفع كفاءة استخدام الموارد، وتعزيز الإنتاج، وتكامل الأدوار بين المؤسسات والمواطنين. وأضاف أن التعامل مع التحديات الاقتصادية يتطلب إدراكًا لطبيعة الظروف الداخلية والخارجية، والعمل على تطوير القطاعات الإنتاجية وتحسين الأداء بما يدعم قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات.

وأكد أن الأمن القومي بمفهومه الشامل لا ينفصل عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، إذ ترتبط قدرة الدولة على مواجهة الضغوط الخارجية بمدى امتلاكها مقومات الاستقرار، وكفاءة مؤسساتها، وقدرتها على توفير احتياجات المجتمع وتحقيق التنمية. ومن ثم، فإن حماية مقدرات الدولة تستلزم العمل على تعزيز مختلف عناصر القوة، بالتوازي مع ترسيخ الوعي والمسؤولية الوطنية.

وفيما يتعلق بالرسائل المرتبطة بالسياسة الخارجية، أوضح يحيى أن التأكيد على التمسك بمعاهدة السلام مع إسرائيل ودعم حل الدولتين يعكس أهمية الحفاظ على الثوابت المصرية، والعمل من خلال المسارات السياسية والدبلوماسية لدعم الاستقرار الإقليمي. 

وأشار إلى أن التعامل مع الأزمات الإقليمية يتطلب موازنة دقيقة بين حماية الأمن القومي وصون السيادة الوطنية، وبين دعم الجهود الرامية إلى خفض التصعيد ومنع اتساع نطاق الصراعات.

 أمن دول الخليج 

وأضاف أن تأكيد أن أمن دول الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري يعكس طبيعة العلاقات الاستراتيجية بين مصر وأشقائها العرب، في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات متشابكة. وأوضح أن أمن المنطقة واستقرارها يرتبطان بقدرة الدول على تنسيق مواقفها، وتجنب التصعيد، وحماية المصالح المشتركة، والعمل على تسوية الأزمات بالوسائل السياسية والدبلوماسية كلما أمكن ذلك.

ولفت الخبير الاستراتيجي إلى أن الحفاظ على الأمن الإقليمي يتطلب أيضًا الاهتمام بأمن الملاحة وحماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، نظرًا إلى انعكاس أي اضطرابات واسعة على حركة التجارة والاستثمار وأوضاع الاقتصاد في دول المنطقة. وأكد أن خفض التوترات يمثل مصلحة مشتركة، لما يتيحه من فرص للحفاظ على الاستقرار وتجنب التداعيات التي قد تطال الشعوب والاقتصادات.

واختتم الدكتور أحمد يحيى تصريحاته بالتأكيد على أن الرسالة الأساسية التي يمكن استخلاصها من كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي تتمثل في أهمية الحفاظ على الدولة المصرية وتعزيز الوعي الوطني وتماسك الجبهة الداخلية، موضحًا أن قوة الدول لا تُقاس بقدراتها العسكرية والاقتصادية فقط، وإنما تتعزز أيضًا بوعي مجتمعاتها وقدرتها على التعامل مع المعلومات بمسؤولية، والتمسك بالحقائق، والعمل المشترك لمواجهة التحديات.

وأكد أن المرحلة الراهنة تتطلب تكاملًا بين جهود المؤسسات الوطنية ودور الإعلام والمجتمع في نشر الوعي ومواجهة الشائعات، إلى جانب مواصلة العمل والتنمية وتعزيز الثقة القائمة على المعلومات الدقيقة والنتائج الملموسة، بما يدعم استقرار مصر ويحافظ على مقدراتها ومصالحها الاستراتيجية في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.