بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

شامخ الشندويلي يكتب : نبض التراب وأشواق الرؤيا : البناء الدرامي والضمير الإنساني في تجربة عاطف الجندي

بوابة الوفد الإلكترونية

 

يجمع الشاعر المصري  الكبير عاطف الجندي بين أصالة الموروث وروافد التجديد المعاصر، حيث يتخذ من الكلمة ساحة لنضال إنساني وجمالي يتجاور فيه الذاتي بالوطني، والوجداني بالسياسي. ويتسم منجزه الشعري بالغزارة والتنوع بين القصيدة العمودية والتفعيلة، متسلحًا بوعي حاد بقضايا أمته، وممتلكًا حسًا دراميًا ولغة بصرية متدفقة تستحضر الشخوص والأماكن والتفاصيل اليومية للريف والمدينة على حد سواء. ويتجلى في نصوصه صوت الفلاح الأصيل المعجون بالطين والكرامة، والشاعر المأخوذ بسحر المرأة والأرض، والعاشق لمنظومة القيم والإشراق الروحي.

فى قصيدته طعم الحياة تجربة عشق صوفية الرؤية، غزلية النبرة، تتخذ من الحبيبة مصدرًا للإلهام والتحول الوجودي. ، تقدم القصيدة الأنثى بوصفها المخلص والواهب للمعنى، والتي بدونها يصبح الكون علقمًا ومريراً، حيث يتجاوز الحب حدوده العاطفية ليصبح طاقة خلق وتجدد للذات والقصيدة. 

يقول:

أو كلما يممتُ شعري

 شطر قافية ٍ أتيت أميرة 

وجلستِ فوق الحرف

 دفئا  ساحرًا  .. ومثيرا

 

وانساب شدوُك

 كالملاك على الدنا

وعزفتِ ضوءًا حالمًا  وعبيرا

 

أشعلتِ لونَ الحرفِ بين أصابعى

وملأتِ سمتَ الأرض 

خيلا ً جامحًا  وطيورا

 

من أنتِ حتى

 تملكى الإبحار بين جوانحي

وتغيِّري

الأحلام ،والتفكيرا 

 

أنتِ التي زرعتْ

 بقلبي  حبها

 فازدان قمحًا رائعًا  ..وغديرا 

 

أنت التي أرْشَدْتِنِي

 للشعر أسلكُ دربه ُ

 وأعيشُ فيه.. كآبة  ً وسرورا .....

 

تعتمد القصيدة على التكثيف الصوري عبر الاستعارات الممتدة مثل زراعة الحب الذي يزدهر قمحًا وغديرًا، ومزج الحركة بالفضاء كملء الأرض خيلًا وطيورًا، وتميزت القصيدة ببراعة التعبير عن استعادة الشاعر لذاته عبر حضور الأنثى المشرق.

 

وفى قصيدة ثنائية الماء والنار ننتقل إلى فضاء القصيدة الدرامية التفعيلية التي تعتمد على تقنية الحوار مع الآخر المشبع بالرمزية. و تغوص في قضية الصراع والتكامل بين الأضداد كالماء والنار، والسد والأواصر، والفقر والجمال، متخذة من رمز طائر الفينيق وزهرة الصبار دلالات على التجدد البعثي والإصرار على الحياة. 

هل حين غنيت البلاد تماوجتْ

 أعطاف ليلي ؟!

أم قلت أهلا بالمليحة 

هل يردُّ النار غيرُ الماءِ ،

 والماء اختصارٌ 

للحياة وللنشور ؟!

قالت:

          - وأورق ثغرها -

 قل:هل يردُّ الماءغير السَّدِّ..

 والسَّدُّ امتدادٌ للأواصر ِ

 يجمعُ الضدين ِ

 يرسلُ ومضة ً من كهرباءِ الروح ِ

 في ليل ِالشعورْ

مَنْ أنتِ؟!

قالت : زهرة ُ الصبار ِ 

حين باغتها المخاضُ

 للحظةِ الإشراق ِ 

سنبلة ٌ تكاشفُ عريَها             

أو بسمة ٌ للشوق ِبللها الندى 

 أو قلْ : عروسَ الماءِ 

تخرج من بكارةِ صمتها

 لتريكَ من آلآئها 

عشرينَ قوسًا  في بهاء سمائها

 مَنْ أنتَ قل لي ؟!

قلتُ : المليحة ساءلتْ ولد التفرد ِ

 عازف الأشواق ِ

 يبحر في جنون هيامه

 بل طائر الفينيق يبعث من رماد مواته

 من أجل عينيك ِ البريئةِ

 راسمًا سمت الأميرةِ 

مقسمًا  باللازَوَردِ بأنك الأحلى

 وأنكِ قِبلة ٌ

 للسائرينَ بدرب قيس بن الملوح ......

 

لقد برع في بناء المشهد  والاحتفاء بتفاصيل المكان والإسقاطات التاريخية، متجاوزاً لغة التخاطب التقليدية إلى المتدفق في وصف الجسد والطبيعة والانتفاض السياسي. وجاء التنويع الإيقاعي في شعر التفعيلة ملائماً لجريان الحوار والتحولات النفسية، مع التقفية الرمزية غير المنتظمة التي تخدم الدفق الشعوري، مع جرأة لغوية وقدرة على صهر التجربة العاطفية بالوعي الحضاري.

 

أما قصيدة المعوذة فتستحضر نصًا وجدانيًا يحمل براءة العشق العذري ومخاوفه السامية، حيث تمتزج مشاعر الحب العذري بالخوف الصادق على المحبوبة من دروب الغي وانكسارات الدهر.

 

إني أعيذكِ من دروب الغيْ

وأرد عنكِ اللصَّ والشرطيْ

 

وأظل منتبهًا إذا نام المدى

أتلو على اسمك آية الكرسيْ

 

وأشد ما أخشى عليك من الدُّنا

وأموت خوفا في دجًى مَنْسِيْ

 

إن راح طيفك ِللضلال ِ بعينه ِ

ورأى السلامة في هوًى عِبريْ

 

ورأيت ِ إبليس َ اللعين َفخلته ِ

قمرًا ينيرُ على  جبين نبيْ

 

يا حلوتي  أضحيت شاحبة ً .. وما

كنت ُ الطبيب َ .. ولا  أنا بِوَلِيْ

 

أنا عاشق ٌيهواك ِ صبحًا طازجًا

أو كنت ِ حتفا يشتهي لِسَمِيْ

 

ما خُيِّرَ العشاق ُفي لون الهوى

قدرًا   نذوب ُ ..ونشتهي للكي ْ!

 

فتدللي ما شئت أن  تتدللي

سأظل أحيا في هواك ِ صَبيْ

 

أسترجع الأحلام َدفئا ضمنا

في حضن ِ شوق ٍ طاهر ٍ ونَديْ

 

أرضعتني حبَّ التراب ، فطمتني

عن أي ِّ شاردة ٍ تشين ُ نقيْ

 

مازلت أذكرُ والعبيرُ على فمي

قصصَ الطفولة ِوالهوى العذريْ

 

ونشيدُك َ المزروع ُ في قلب الفتى 

قد أثمرَ الإحساس َبالوله الشجيْ ....

 

لقد اعتمدت القصيدة على استخدام مفردات دينية  كآية الكرسي والتعويذ كدرع روحي لحماية الحبيبة، مع استدعاء صور الطفولة والنقاء الفطري الممتد من حب التراب والأرض. وتميزت بالصدق الشعوري البالغ والنقاء التعبيري الذي يرتقي بالعاطفة فوق الشبهات.

 

بينما تصرخ قصيدة ( قاتل )  بصوت النفير الوطني والمقاومة، رافضة واقع الاستكانة والهوان. وتنطلق من مبدأ ضرورة المواجهة ورفض المهادنة أو الحلول السلمية الزائفة، موجهة خطابها للجيل الجديد لكسر جدار الخوف واستعادة كراب الأمة المسلوبة من طنجة إلى بابل. 

كلُّ صوت ٍ

غيرُ صوت ِ الحرب ِباطلْ 

يا صغيري .. قمْ  وقاتلْ

 يا صديقي 

قمْ وقاتلْ

طالما القوَّادُ ناموا

طالما الحكام ُ هاموا

لم يعد في الكون ِ شيء ٌ

يرتجيك اليوم َ حتى تختفي بين التنابلْ

يا صديقي

لا تماطل

قم ليوم الثأر هيا كي  نناضلْ

نحن نار ٌ 

- لو أردنا -

في دياجي الظلم ِ تفني كل ّ أفاك ٍ وجَاهلْ

كلَّ نصَّاب ٍ يُغني

عن هوى الأوطان ِ سِلمًا 

عند وقت ِ الجدِّ يمضي بين خِذلان ِ القبائِلْ       

يا صديقي

قمْ بنا ، هيا نقاتلْ 

موطن ُ الأجداد ِ يُسبى

والحضارات ُ تهاوتْ

فاقرأ التاريخ َ تلقَ

أننا كنا انتصارًا

مثل وشم ِ الفخر ِفي زندي مقاتلْ

لم يعد لي

غير ُ حُلم ٍ في يديكْ

 فاحمل الهم الذي

-من بؤسِنا- يرنو إليك ْ

وامضغ الأحزان َ ، هيا لا عليكْ

إن يوم َ النصر ِ آت ٍ 

رغمَ جرح ِ الوقت ِ آت ٍ

من ضمير الغيب آت ٍ

لا أجامل ْ ....

 

 

اعتمد الشاعر هنا على أسلوب النداء المباشر والطلب الجازم والتقابل بين الانهزامية والبطولة، مع استخدام رموز كزهرة الصبار والعنادل للإشارة إلى الأمل الوليد من رحم الألم. الموسيقى جاءت سريعة وضاغطة ، مكررة القوافي الميمية والجيمية الحادة التي تناسب الحماسة والتحريض على النضال، وتبرز مزيتها في النبرة الخطابية الصادقة التي تجعل من الكلمة سلاحًا وموقفًا حاسمًا.

 

بينما تتغنى قصيدة (الثريا) برقة الغزل الأصيل الممزوج بسحر السمرة ونقاء الطبيعة المصرية. وتستعيد صورة المرأة الملهِمة التي تشعل الوجد وتجدد الدماء برسالة أو همسة، فتتحول إلى رمز للبلاد والسحر الخالص. 

 

هل تعلم السمراءُ

 أن حديثها

 قد أشعلَ الوجدَ المُرابضَ في دمي

 فتفتحتْ مليونُ سنبلة ٍ أضاءت مهجتي

 وتكاثر الودْقُ المتيمُ

 فى سماءِ ودادي

 

هي همسة ٌ بالهاتفِ الجوَّال ِ

أيقظتْ الرؤى

ورسالة ٌ بعثتْ

 طيورَ رمادي 

 

من أيِّ عاصمة ٍ لجرح ٍ قادم ٍ

قد جاءَ سحركُ كى أعودَ لجلسة ٍ

 في  بهو عينين استثارا

 صبوتي ..ومِدادي

 

وجهٌ بريءٌ فوق قدٍّ مائِس ٍ

قد أيقظ النيران بين جوانحي

فرجعت صبَّاً أطرق الأبوابَ

أسأل عنه أطيافا 

تزيد سهادي

 

هل أدركت

 ما سوف ينشدهُ الهَزَارُ 

فحين ألقتْ فوق عمرى زهرة ً..وتبسَّمتْ

أحسستُ شيئا 

داخل الأعماق ؛يبكي فرحة ً

وتعطل الإدراك ُ

ساعة دهشتي.. ورشادي 

 

سمراءُ

 ماذا قد يدور بقلب فاتنة ٍ

سباني حسنُها

أحببتني ؟!

أم أن وعدًا للفَرَاشِ بأن يصاحبَ

- في ضمير الحب-

ضوءَ الشمعة ِالكانت

                  تقضُّ مِهادي

 

لا تنكري الإشراقَ في شعري فتلك عواطفي

تحنو عليكِ كقطة ٍ

تقتاتُ من أورادي ....

 

نلاحظ أن الشاعر اعتمد فنيًا على التحليل اللغوي والتلاعب بالحروف عبر تقطيع حروف اسم الثريا، حيث منح كل حرف دلالة جمالية وشعورية تداعب مخيلة العاشق، إلى جانب تشبيه العواطف بقطة حنونة تأكل من أوراده. ونجد  وقاراً غزلياً يجمع بين أصالة الصياغة ورقة التعبير الشفاف.

بينما فى قصيدة (سامنتا) تتجسد تجربة الاغتراب الروحي والمكاني للشاعر القروي في عاصمة السحر الأوروبي روما. فتقيم مقارنة قاسية وموجعة بين مظاهر البذخ والجمال في حي بورجيزي وبين واقع الفقراء في شبرا الخيمة وبيجام، متسائلة عن جدوى الحب والجمال الغربي أمام جراح الوطن وآلام طبقاته المسحوقة. 

 

هل هذه روما التي

 قد قبلتني نشوة ً أم وجه ُ سامنتا يضئ ْ

لا أعرف ُ التفسير َ

لكني قتلت ُ بسحرها وأنا البريء ْ

فلاح ُ هذا العصر ِ أصبح تائهاً

في حي بورجيزي 

جمال ٌ صعَّب الأشياء من حولي

وصَعب ٌ أن أرى شبرا تقومُ  من المنام ْ

شبرا و روما  توأم  ٌ بين النقيض ِ

من الحضور و في الغياب ْ

تبدو كشاحبة ٍ تتوه معالم ُ الماضي

وطائرة ٌ تعود ُ  إلى الأمام ْ

أترى ولدت ُ الآن أم أني أموت ْ ؟!

أم كانت الصحراءُ 

 - في رجع الصدى - وهم َ الحضورْ

وأهز نفسي هل أنا حقاً هنا في اللا هناك ْ

أم أنها الأحلام ُ سامنتا

تقول وما تقول سوى النشيد ْ

عينان زرقاوان تكتشفان سر َّ السحر ِ

تفترشان ِ

ما جعل التداخل َ والتضاد َأريكتين ِ

تضيعان ِ شقاء َ عمر ٍ مجدب ٍ

وتحيران ِ الوصفَ

ما بين احتمالات ِ الزبرجد

 واشتعالات ِ النصوص ْ

يا أيها القروي ُّ لا تنسْ  البنفسج َ

عندما اختلط َ الشعورُ 

 وقدُّ سامنتا يشدُّ القارة َ السَّمراء َنحو الألب ِ

 لا بحرُ البياض ِ يردُّني

شبرا تهاجر من دمي

لا وقت للتفكير ِفي كوبري عرابي الآن 

أو كيف المعيشة ُ تحت خط  الفقر ِ

من هذا الجمال ْ

(بيجام ُ ) تنأى  أن تقول الآن شيئاً

عن شوارعِها القديمة ِ

لا تقول الآن شيئاً

عن صغار الشارع العبثي

في فوضى الشقاء ْ

( بيجام ُ ) تخجل أن تكاشف عُرْيها

لا تذكر الولد َ الذي

قد خط َّبالطبشور شيئاً

عن حكايا حزبها الوثني

فاهتاج َ التتار ْ ...

فنيًا، وظف الجندي فى (سامنتا) المفارقة بين البيئتين، مع استخدام التقنيات السردية والمونولوج الداخلي الذي يعكس صراع الذات بين سحر سامنتا المشتعل ومرارة العيش في الوطن. لينجح فى التعرية الاجتماعية والسياسية عبر قناع التجربة العاطفية.

وتأتي قصيدة (رجل) كبيان ذاتي وهوياتي للشاعر يحدد فيه ملامحه الإنسانية والإبداعية. تعلن القصيدة عن الاعتزاز بالانتماء للسمرة والفلاحة والعروبة، ممتزجة بروح التمرد والقدرة على صنع المعجزة الشعرية التي تحيل القفار إلى بساتين. 

أنا رجل ٌ

بحجم رشاقة الآمال ِ.. لي لغتي

ولي ما تتركُ الشمس ُ الجريئة ُ

 فوق ناصيتي

 

ولي ما قالت الأنهار ُ

 للأزهار ِ

في بستان فاتنتي

 

ولي سمت ٌ 

يشير لسمرة ِ الفلاح ِ

في وادي مخيلتي

 

عطوف ٌ

جاحد ٌ جدًا

رزين ٌ

هازئ ٌ بالموتِ

مجنون ٌ بلون الحسن ِ

مجذوب ٌ إلى الأسفار ِ

إعصار ٌبوجه الظلم ِ 

سوسنةٌ إذا أبدو 

أمام جمال ِ قاتلتي

 

أنا الولد ُ الذي سكنت ْ قصائدُه ُ عيون َ الحور ِ

واسمي عاطف ٌ

فرد ٌ

من الآلاف ِ..لكني

أنا المسكون ُ بالأشباحِ والرؤيا

فهل تدرون َ معجزتي ؟!

 

سأخرج ُ من دمي لغة ً

وأنفث ُ عُقدة ً حرَّى سَتسْحَرَكم ْ

وتلك عصاي في قلمي الذي يسعى

ويبلعُ ما يخط ُّ الوهم ُ

يبعث ُ مرة ً أخرى

حياة ً في تراب ِ الروح ِ

أُخْرج ُ من يدي نهرًا

وأغسل ُ فيه أعينكم ْ

فصُّلوا خلف َ.. أغنيتي

 

سأعبر من خلال الآه للأنسامِ 

 أفتح ُ من خلال ِ الحسن ِ شلالا ً

وأزرع ُ في قفار البسمة الصفراء ِبستانا 

يظلل ُ بوح َ قافيتي ...

 

لقد اعتمد النص فنيًا على الصورة القرآنية والميثولوجية، مستعيرًا عصا موسى ونفث العقد ونهر الطهر للتعبير عن سلطة الشعر وقدرته على تغيير الواقع وتوحيد الأمة. جاءت الموسيقى متدفقة وشديدة الحيوية ، متلاحقة القوافي والتفعيلات التي تعكس الإيقاع الثائر للذات الشاعرة، وتتجلى مزايا النص في الثقة الجريئة بالنفس والالتزام بالقضايا الجماعية للأمة.

 

وتطرح قصيدة ( لمصر أغني ) موقفًا صريحًا من الشأن العام بعيدًا عن الأيدولوجيا الحزبية الضيقة. وينحاز الشاعر للوطن ببراءة الفطرة القروية، مقدمًا صوته الانتخابي للمحبوبة مصر كرمز للعطاء الخالص والتجرد السياسي. 

أنا ليس لى

حزبٌ و لا أدنى انتماءٍ للسياسةْ

وبنات أفكاري نبوءةُ قريتى

خضراءُ ،طازجةٌ

بلا أيّ انتكاسةْ

ولأجل عينيك اللتين إليهما تهفو القلوبُ

وتنتشي فيها الحماسةْ

ولأجل هذا الصبح فى الوجه

المطل ببسمةٍ

والقلب زنبقة ٌ .. وماسةْ

أعطيك أغلى ما سأملك

يا حبيبة عمرنا

أعطيك صوتى

فى انتخابات الرئاسة ْ!

 

اتسمت القصيدة بالتكثيف الشديد واستخدام لغة بصرية بكر تعتمد على مفردات خضراء وطازجة وزنبقة وماسة. موسيقياً، جاءت التفعيلات المنسابة مع القافية المسبوكة بالسين المفتوحة لتعطي نغمة حاسمة ومبهجة في آن واحد، ومزيتها تكمن في التقاط اللحظة السياسية وصياغتها بنبض عاطفي خالص.

وتتجلى في قصيدة ( يا بني ) مشاعر الأبوة الصادقة واللوعة النبيلة عند وداع الابن المغترب. وتحمل القصيدة وصايا الآباء الحكماء الممتدة من التراث العربي والديني، ممتزجة بالخوف من مآلات الغربة وقسوة طلب الرزق، مع الأمل في العودة النبيلة كعودة يوسف عليه السلام. 

 

يا نجمةً في النبضِ ما هذا الظما

أتركتِ قلبًا  في القيودِ محطما

 

كفُّ الوداعِ على الجبينِ برقةٍ

والعينُ تبني للدموعِ السُّلَّما

قالوا: سيسعى في البلادِ مُغامرًا

يبني من الأحلامِ دارًا مُرغَما

فمضى، وفي صدرِ الأبوةِ رعشةٌ

كالكهرباءِ إذا تصارعُ  ضيغما 

 

كم ليلةً أمضيتُها متوسِّدًا

ذكراكَ، والوجهَ الحبيبَ البُرعُما   

 

يا ليتَ قلبكَ ما تعلّقَ بالمنى

لتعانق السفرَ الطويلَ الأثما

 

سُدَّتْ بوجهكَ في بلادك عِيشةٌ

فرحلتَ في دربٍ أراهُ مُلغَّما

 

لكنها الأقدارُ قد خُطَّتْ لنا

تقسو الحياةُ لكي نعانقَ دِرهما

 

لمّا وقفتَ على الرحيلِ وحفَّنا

دمعٌ يسيلُ من المشاعر بلسما

 

وضممتُ في صدري رؤاكَ وخلتني

أحميكَ مِنْ  زَمنٍ يجيئكَ واجِما

 

قبّلتُ جَبهتَك النقيّةَ خاشعًا

والدمعُ نارٌ  واللسانُ تَلعْثَما ....

 

 

وهكذا تزخر قصيدة ( يا بني )  بالصور الشجية كبناء السلم للدموع وتشابه وجع المغامرة بالكهرباء والضيغم، متوشحة بلغة حنونة ومفردات وصايا الفجر والصدق والتواضع ، وتميزت بالإحساس الإنساني الصادق والتأسيس للقيم الأخلاقية.

 

 

بينما تُقدم قصيدة الشاطئ المأمول تجربة إنسانية في تقبل الجراح الوجدانية وتحويلها إلى فن. ترى القصيدة في الألم والشوق مصدرًا لتجدد الإلهام الشعري، حيث تغدو عينان الحبيبة شاطئًا للأمل ومرفأً للمراكب المتعبة. 

لمن أهدتْ لنبضِ قصائدي

جُرحاً جديداً فوق جرحِ دواتي

عينانِ من عسلٍ وحزن ٌ طازج ٌ

والذكريات ُسكبنَ لون مواجعي

وأقمنَ حفلاً في سهادِ حياتي

سافرتُ في بحرِ العيونِ الزُّرق

ألفَ قصيدةٍ وقصيدة ً

                          ومراكبي تعبت

من الأمواجِ والنوَّاتِ

واشتقت للعسليَّ حِضْناً دافئاً

فالشاطئُ المأمولُ

 - في عينيك - آتِ

كلُّ النوارسِ لُمنَ لونَ مشاعري

وتدرجَ الأنغامِ والفرشاةِ

ماهمَّني

ما دمتُ أرسمُ من جمالكِ لوحتي

وأحاورُ العينين بالأبياتِ !

 

اعتمد الشاعر على رسم اللوحة الشعرية باستخدام المفردات اللونية والبحرية كالنوارس والأمواج والعسل والزرقة. الموسيقى التفعيلية جاءت هادئة ومسترسلة، تنتهي بقوافي الـ أتي والإيقاعات الهمسية، ويكمن جمالها في الرقة العالية والقدرة على تجاوز الخيبة إلى آفاق الرسم بالكلمات.

 

وختاماً  ، يقف الشاعر الكبير عاطف الجندي كقامة إبداعية تمتلك مشروعًا شعريًا متكامل الأركان، تتجاور فيه الأصالة المتمثلة في تمكنه من أدوات القصيدة العمودية الخليلية مع التجديد المتمثل في انطلاقه المرن عبر شعر التفعيلة. وتكشف قصائده عن شاعر مسكون بالحس القومي والوطني، لا ينفصل عن هموم الفلاح المصري والفقراء، وينحاز دوماً للحق والكرامة النبيلة، متخذًا من الحب والجمال سلاحًا في وجه القبح والخذلان. ويمتلك قدرة استثنائية على مزج التجربة الذاتية بالهم الجماعي، وصياغة صور شعرية تجمع بين رقة الطبيعة وعنفوان المواجهة، مما يجعل نصوصه سجلاً إنسانياً وفنياً يفيض بالنور والصدق والموسيقى العذبة.

 

شامخ الشندويلى