بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

نزيف العقول في زمن الأزمات

هجرة الأكاديميين تهدد الجامعات والبحث العلمي في إسرائيل

هجرة اسرائيليين
هجرة اسرائيليين

في ظل الهزات المتتالية التي تضرب البنية الاقتصادية والاجتماعية في إسرائيل، تبرز على السطح واحدة من أخطر الأزمات الصامتة وأعمقها خطورة على المجتمع الاسرائيلي على المدى الطويل وهي ظاهرة تزايد معدلات هجرة العقول والكفاءات الأكاديمية الرفيعة للخارج، فقد سلطت التقارير الأخيرة الضوء على موجات النزوح المتصاعدة للباحثين، والعلماء، وأصحاب التخصصات الدقيقة مثل مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وسط تحذيرات شديدة اللهجة أطلقها رؤساء الجامعات العبرية والمؤسسات البحثية من أن استمرار هذا الاستنزاف يهدد بتقويض أسس التفوق العلمي والتقني للدولة وتشير المعطيات والدراسات الاستقصائية الحديثة إلى تحولات دراماتيكية في مؤشرات الهجرة السلبية، وتحديداً في شرائح النخبة المتعلمة، توضح البيانات ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد الحاصلين على درجات علمية رفيعة والدكتوراه الذين اختاروا مغادرة البلاد والاستقرار في مراكز الأبحاث والجامعات في أمريكا الشمالية وأوروبا. 

في المقابل، تسجل منظومة استقطاب الكفاءات التي كانت تعتمد سابقاً على جذب الباحثين الإسرائيليين العائدين تراجعاً تاريخياً، حيث أدت حالة عدم اليقين الأمني والسياسي والاقتصادي إلى انخفاض حاد في رغبة الأكاديميين في العودة إلى البيئة المحلية، لا تنفصل أزمة هجرة الأكاديميين عن السياق العام للأزمات المركبة التي تعيشها إسرائيل، وتتغذى على عدة عوامل رئيسية منها الضغط النفسي والأمني المستمر حيث أدى استمرار حالة التوتر الإقليمي، وعبء الخدمة العسكرية المتكررة لجنود الاحتياط والباحثين الشباب، إلى خلق بيئة عمل صعبة وغير مستقرة للإبداع الأكاديمي وشح الميزانيات وتراجع الدعم المؤسسي الذي تواجهه الجامعات ومؤسسات التعليم العالي أدى إلى تقليصات حادة في ميزانيات البحث العلمي والتطوير، وسط تركيز الإنفاق الحكومي على القطاعات العسكرية والأمنية، مما يقلص من قدرة المؤسسات الأكاديمية على توفير مناخ ملائم وبنى تحتية تنافسية للباحثين.

ويحذر قطاع واسع من الأكاديميين من تداعيات تصاعد المقاطعة الأكاديمية الدولية والعقوبات غير الرسمية المفروضة على المؤسسات الإسرائيلية في الخارج، الأمر الذي يضعف شبكة التعاون العلمي الدولي ويدفع الباحثين للبحث عن بدائل عالمية تحميهم من العزلة ويحذر رؤساء الجامعات العبرية من أن استنزاف الكفاءات العلمية ليس مجرد أزمة إدارية، بل هو خطر استراتيجي يمس الأمن القومي والاقتصادي ومن أهمها تقويض قطاع الهايتك والابتكار حيث يعتمد الاقتصاد الإسرائيلي بشكل أساسي على الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة، وهجرة المهندسين والباحثين تمثل ضربة قاصمة للقدرة التنافسية للبلاد.

وفي هذا السياق، تواجه منظومة التعليم العالي والبحث العلمي في إسرائيل تحديات متزايدة في ظل تراجع جودة التعليم، وشغور عدد من المناصب الأكاديمية، ونقص الكفاءات العلمية البارزة، وهو ما قد ينعكس سلبًا على التصنيف الدولي للجامعات وقدرتها على إعداد أجيال جديدة من الخريجين والباحثين. وتضع هذه التحديات المؤسسات الأكاديمية أمام مفترق طرق حرج، يتطلب تدخلًا حكوميًا جادًا لتوفير حوافز لاستبقاء الكفاءات، وتحسين بيئة العمل الأكاديمي، والحد من تأثير الاستقطاب السياسي والأزمات الأمنية على المؤسسات العلمية، تفاديًا لتحول ظاهرة «هجرة العقول» إلى نزيف مستمر يصعب تعويضه، بما قد يؤثر على مكانة إسرائيل في مجالات الابتكار والبحث العلمي.