التحول الرقمي في مصر.. حكومة إلكترونية أم معاناة بنظام جديد؟»
لم يعد التحول الرقمي مجرد خطوة نحو التطور، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات الحكومية على مواكبة العصر والاستجابة لاحتياجات المواطنين. فالدولة التي تسعى إلى بناء جهاز إداري حديث لا يكفيها أن تنقل خدماتها إلى المنصات الإلكترونية، وإنما يجب أن تضمن أن تصل هذه الخدمات إلى المواطن بسهولة وسرعة وكفاءة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تحوّل الرقمنة حياة المواطن إلى الأفضل، أم أننا في بعض الأحيان نستبدل طوابير المصالح الحكومية بشاشات إلكترونية لا تقل تعقيدًا عنها؟
لا أحد ينكر أهمية التحول الرقمي في اختصار الوقت، وتيسير الإجراءات، وتعزيز الشفافية، والحد من التعقيدات الإدارية. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح إطلاق المنصات الإلكترونية إنجازًا في حد ذاته، دون قياس حقيقي لمدى نجاحها في إنهاء معاناة المواطن.
فما قيمة الخدمة الإلكترونية إذا تعذّر استخدامها؟ وما جدوى المنصة الرقمية إذا تعطلت، أو تعقّدت خطواتها، أو اضطر المواطن بعدها إلى التوجه بنفسه إلى الجهة الحكومية لاستكمال إجراءاته؟ عندئذٍ لا نكون قد أنهينا البيروقراطية، بل ربما منحناها شكلًا جديدًا.
والأخطر أن يتحول التحول الرقمي إلى عبء على كبار السن، ومحدودي الخبرة التكنولوجية، والفئات التي لا تمتلك اتصالًا مستقرًا بالإنترنت أو القدرة على التعامل مع التطبيقات الإلكترونية. فليس من العدالة أن يصبح الحصول على الخدمة أكثر صعوبة لمجرد أن المواطن لا يجيد استخدام التكنولوجيا.
ومن هنا، فإن مسؤولية الدولة لا تتوقف عند توفير الخدمة إلكترونيًا، بل تمتد إلى ضمان سهولة الوصول إليها، وحماية البيانات الشخصية، وتوفير الدعم الفني والبدائل المناسبة، ومحاسبة الجهات المقصّرة في تقديم الخدمة بكفاءة.
إن التطور الحقيقي لا يُقاس بعدد التطبيقات والمواقع الإلكترونية، ولا بحجم المعاملات التي تحولت من الورق إلى الشاشات، وإنما بقدرة المواطن على إنجاز معاملته دون إهدار لوقته أو ماله أو كرامته.
فالمواطن ليس مطالبًا بأن يتكيف مع تعقيدات التكنولوجيا، بل إن التكنولوجيا وُجدت أساسًا لتتكيف مع احتياجاته.
إن بناء دولة رقمية حديثة يبدأ من إعادة النظر في فلسفة تقديم الخدمة الحكومية، بحيث تصبح السرعة والسهولة والشفافية حقوقًا عملية يشعر بها المواطن، لا مجرد شعارات تُرفع باسم التطوير.
وفي النهاية، يجب أن نتذكر أن التكنولوجيا وسيلة لتخفيف الأعباء عن الناس، وليست غاية مستقلة عنهم؛ وأن نجاح التحول الرقمي لا يتحقق عندما تنتقل الحكومة إلى الشاشة، بل عندما يشعر المواطن بأن الحكومة أصبحت أقرب إليه، وأن الوصول إلى حقه بات أسهل وأسرع وأكثر عدالة.
فالدولة المتطورة ليست التي تمتلك أحدث الأنظمة الرقمية فحسب، بل التي تجعل هذه الأنظمة في خدمة الإنسان، وتثبت للمواطن أن التطور لم يُصنع من أجله على الورق فقط، وإنما ليغيّر حياته إلى الأفضل