بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

معدن المصريين لا يصدأ.. دروس الشهامة في زمن الشدائد

في لحظات كشفت عن حقيقة العلاقة بين شعبين شقيقين، جاء البيان الصادر عن سفارة المملكة العربية السعودية بالقاهرة يوم الأحد الحادي عشر من أكتوبر لعام 2026، والذي أعلنت فيه رفع حالة الجاهزية القصوى على مدار أربع وعشرين ساعة، وخصصت أرقام طوارئ للتواصل، لمساعدة مواطنيها السعوديين العالقين في مصر بعد الهجوم الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وأسفر عن سقوط ضحايا وتعليق مؤقت لحركة الطيران وإلغاء عدد من الرحلات الجوية.
كان البيان إجراءا دبلوماسيا روتينيا تفرضه المسؤولية، لكن رد فعل المصريين هو الذي حوله إلى حدث إنساني استثنائي سيظل يذكر طويلا. فما إن نشر البيان على صفحة السفارة حتى انهالت عليه آلاف التعليقات التي لم تكن مجرد كلمات، بل كانت مواقف رجال. كتب المصريون: بيوتنا مفتوحة لكم، أنتم لستم ضيوفا أنتم في بلدكم الثاني، لا داعي للسفارة نحن أهلكم وعزوتكم، الطعام جاهز والبيت جاهز، من لم يجد مكانا فليأت إلينا.
وهنا يتجلى معدن المصري الحقيقي. إن المصري قد يعاني، وقد يمر بظروف اقتصادية صعبة، وقد تثقل كاهله التحديات المعيشية وارتفاع الأسعار وضغوط الحياة، لكنه رغم كل ذلك لا يفقد أصالته وكرمه. فالمصري بطبعه كريم، يجود بما لديه ولو كان قليلا، ويتقاسم رغيفه مع جاره، ويفتح بابه لضيف لا يعرفه. هذه ليست شعارات، بل هي تربية رضعها المصري من نيله ومن تاريخه الطويل الممتد لآلاف السنين.
لقد علمتنا مصر عبر التاريخ أن الشدائد هي التي تصنع الرجال وتكشف المعادن. والمصريون أثبتوا في كل أزمة أنهم على قدر المسؤولية. ففي ثورة يناير فتحوا بيوتهم للغرباء، وفي أزمة كورونا تقاسموا الدواء والغذاء، واليوم في أزمة الطيران يفتحون بيوتهم للأشقاء السعوديين دون تردد أو حساب. وهذا هو الدرس الأول: أن الشهامة لا تدرس في الكتب، بل تولد في القلب.
والدرس الثاني أن العلاقة بين مصر والسعودية ليست علاقة بروتوكولات وبيانات، بل هي علاقة دم ودين وتاريخ ومصير واحد. فالسعودي في مصر ليس غريبا، والمصري في السعودية ليس وافدا، نحن شعب واحد في بلدين. ومن يحاول الوقيعة بيننا لا يفهم طبيعة هذه العلاقة التي بنيت على المحبة الخالصة لوجه الله، والتي أكد عليها خادم الحرمين الشريفين والرئيس عبد الفتاح السيسي مرارا.
والدرس الثالث هو رسالة الوعي التي تحدث عنها الرئيس السيسي في اجتماعه الموسع الأخير، حين قال إن قوة مصر الحقيقية في تماسك جبهتها الداخلية ووعي شعبها، وإن الحروب الجديدة تهدف إلى نشر الإحباط والفرقة. فوعي المصريين هو الذي أفشل كل محاولات الوقيعة، وجعلهم يردون على بيان رسمي بحب شعبي جارف.
وقد كان رد الأمير عبد الرحمن بن مساعد بن عبد العزيز بليغا ومعبرا حين قال: ردود المصريين على ما نشرته السفارة السعودية في القاهرة تثلج الصدر، أشهد الله على حبك يا مصر وحب أهلك، ودعا إلى إبراز الإيجابي وتعزيز ما يجمع ونبذ الكراهية. وهي كلمات صادقة من رجل يعرف قدر مصر.
إن ما حدث يثبت أن المصري رغم كل الصعوبات يظل كبيرا. الكبير بكرمه، الكبير بأصله، الكبير بمواقفه. والمصري لا ينتظر مقابلا لكرمه، فهو يكرم لأنه كريم، وليس لأنه يريد شيئا. وهذا هو معدن المصري الذي لا يصدأ أبدا، بل يزداد بريقا ولمعانا كلما اشتدت الأزمات.
ستظل بيوت المصريين مفتوحة لكل أخ عربي، وستظل مصر هي الحضن الدافئ لكل الأشقاء، لأن مصر علمت العالم معنى الضيافة منذ فجر التاريخ، وستظل تعلمه أن الكبير لا يغلق بابه أبدا مهما كانت التحديات.