لعل وعسى
منتدى قفص الطيور «1»
جاءت زيارة الرئيس السيسى لثلاث دول من جنوب شرق آسيا وهى (كوريا الجنوبية، ماليزيا، ودولة إندونيسيا) وقبل انعقاد منتدى مصر 2026، بأسبوع واحد، لترسم خارطة طريق جديدة بعيدة عن صندوق النقد الدولي، لا سيما أن من هذه الدول الثلاث وهى ماليزيا من رفضت وصايا الصندوق أثناء أزمة دول جنوب شرق آسيا عام 1997، حيث فرضت رقابة على رأس المال، وربطت العملة المحلية (الرينجيت) بالدولار الأمريكي وركزت على تحفيز الطلب المحلي ودعم الشركات الوطنية، ما أتاح لها تجاوز الأزمة المالية بشكل أسرع وأقل تكلفة اجتماعية مقارنة بجيرانها. والذى يدعو للتفاؤل أن المحاور المتوقع البناء عليها فى منتدى مصر 2026 تماثل تقريبًا نفس المحاور التى بنت عليها الدول الثلاث نهضتها التنموية، من حيث السعى نحو بناء الإنسان وجودة الحياة من خلال مناقشة قضايا التنمية البشرية والتعليم والحماية والأمان المجتمعي. وأيضاً تناول الملف الاقتصادي ليتم استعراض البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي لما بعد برنامج صندوق النقد الدولي، وإدارة الدين الخارجي، وموارد النقد الأجنبي. كذلك ريادة الأعمال والابتكار عبر دعم الشركات الناشئة، وتمكين الشباب، وربط الابتكار بتنافسية الاقتصاد المصري، مع مواصلة جهود الدولة في تطوير الخدمات الرقمية، مع الدعم الكامل لاستراتيجية التصدير والانفتاح على العالم ودعم المجموعات الاحتكارية الكبرى بشرط التصدير والمنافسة العالمية، وكان التوجه المشترك لهذه الدول الثلاث هو التركيز على البحث والتطوير والابتكار، ووضع مثلث تنمية يقوم على زيادة نسبة النمو الاقتصادي، والعمل على التحديث المستمر والمتواصل للمنتجات، وزيادة حجم التصنيع بصوره أكبر من المكون الزراعى. وإذا كانت عين الرئيس السيسى على تجارب هذه الدول الثلاث، فإن العين الأخرى تقع على استراتيجية الصين التنموية بمفهوم شهير يُعرف في الأدبيات الاقتصادية والسياسية باسم «اقتصاد قفص الطيور» وهو نموذج اقتصادي اقترحه القائد الشيوعي الصيني تشن يون في عام 1980 لتوجيه مسار الإصلاحات الاقتصادية الصينية، وما زال جوهره يلقي بظلاله على الاستراتيجية التنموية الصينية حتى اليوم. ويقوم على ضرورة وجود الطائر (السوق والقطاع الخاص)، والذى يمثل قوى السوق، والحرية الاقتصادية، والشركات الخاصة والأجنبية. وأعتقد أن منتدى مصر 2026 سوف يؤكد الحاجة إلى الحرية لكي يطير ويتحرك هذا الطائر. كذلك يقوم هذا النموذج على ضرورة وجود القفص (الدولة والتخطيط المركزي)، وهو يمثل إطار الدولة، وخطط التنمية الوطنية الخمسية، والرقابة الصارمة. والهدف من القفص هو منع الطائر من الطيران بعيداً أو التسبب في الفوضى الرأسمالية التي قد تهدد استقرار النظام التنموي والاجتماعي. أما الضرورة الثالثة لهذا النموذج فهو الاعتماد على موازنة مرنة، حيث يسمح للسوق بالنمو والابتكار، ولكن تحت شروط وضوابط واضحة. منتدى مصر القادم يجب أن يعطى الضوء الأخضر لتوجيه قوى السوق، بحيث لا تترك الدولة المبادرات الاقتصادية الكبرى لليد الخفية للسوق بشكل كامل، بل تقود التنمية عبر خطط مركزية توجه الاستثمارات نحو قطاعات محددة (مثل الطاقة المتجددة، التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي). مع الحرص على الاحتفاظ بالسيطرة على القطاعات الاستراتيجية كـ(المالية، الاتصالات، والطاقة) لضمان ألا يؤدي نمو القطاع الخاص إلى تشكيل قوى رأسمالية تنافس سلطة الدولة أو تخل بالاستقرار الاجتماعي. ويبقى وضع الآليات للتعديل الديناميكي لحجم القفص، وهو ما سوف نتناوله فى المقال القادم إن شاء الله.