بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

سرديات الآخر.. كيف روى قادة إسرائيل هزيمتهم في أكتوبر؟

بوابة الوفد الإلكترونية

جميعنا يعلم أن المحتل الإسرائيلي أجاد صناعة الأسطورة أكثر مما أجاد صناعة الانتصار، وظلت سردياته عن نفسه تصاغ لتلميع الصورة وتبرئة أصحابها وتحويل الإخفاق إلى بطولة، حتى صدق العالم أن جيش إسرائيل قدر لا جدال فيه ولا شك، إلى أن حانت أكتوبر ١٩٧٣، فكانت اللحظة التي تصدعت فيها الأسطورة من الداخل، لتظهر شهادات قادتها وتؤرخ للحرب كما رآها العدو لا كما أراد لها أن تُروى.

وأول ما يفضح هذه السرديات اسمها، فقد أطلقوا على الحرب مصطلح "المحدال" המחדל  أي الإخفاق، وهي كلمة لا يختارها منتصر سعيد مطمئن، كما ردوا الكارثة إلى "الكونسبتسيا"، ذلك التصور المتحجر في عقل الاستخبارات بقيادة إيلي زيرا، الذي قضى بأن مصر لن تحارب قبل امتلاك طائرات تصل إلى العمق الإسرائيلي وأن سوريا لن تتحرك دونها، فظل متشبثًا به رغم الحشود وإجلاء عائلات الخبراء السوفييت وإنذار أشرف مروان قبل الحرب بساعات، وهنا تتجلى المفارقة، فالمؤسسة التي ادعت معرفة كل شيء لم تر ما كان يجري أمام عينيها.

بينما في الميدان أضلهم الله، فقد بنوا عقيدتهم على الدبابة والطائرة وهمشوا سلاح المشاة، فإذا بالمقاتل المصري يحمل صاروخ "ساغر" ويقف في وجه المدرعات، وإذا بشبكة الدفاع الجوي تشل سلاح الجو الذي اعتبروه ضمانتهم الأولى، وتتحدث الروايات الإسرائيلية نفسها عن خسائر فادحة في الأسبوع الأول، وعن مواقع بارليف التي سقط أغلبها أو حوصر قبل أن تصلها النجدة.

ثم جاءت المذكرات والسرديات الإسرائيلية، فنجد أن كل قائد قد كتب نصف الحقيقة وترك النصف الآخر لغيره، هكذا، كتبت جولدا مائير في كتابها "حياتي" أن امتناعها عن الضربة الاستباقية كان أثقل قراراتها، وبررته بالخوف من فقدان السند الأمريكي، مؤكدة أنها فكرت في الانتحار في الأيام الأولى للحرب، فيما حمل موشيه ديان الاستخبارات مسئولية التقدير الخاطئ وهو وزير الدفاع المسئول، وقال نصا: "خراب الهيكل الثالث"، واصفا لحظة العبور بأنها "زلزال هز إسرائيل"، وأنهم لم يقدروا المصريين حق قدرهم، بينما قدم أريئيل شارون في كتابه "محارب" نفسه منقذًا بثغرة الدفرسوار، كما هاجم تردد القيادة العامة في الهجوم، فيما نجد إيلي زيرا يدافع متعللا بأن الإشارات التي تبادلها المصريون كانت غامضة، وهكذا تحولت المذكرات إلى محاكمات متبادلة يتهم فيها كل جنرال رفاقه.

أما لجنة أجرانات، التي شكلت في نوفمبر ١٩٧٣ برئاسة رئيس المحكمة العليا، فقد أوصت في تقريرها الجزئي في أبريل ١٩٧٤ بإقالة رئيس الأركان دافيد إليعازر وإيلي زيرا ورئيس قسم الأبحاث أرييه شاليف وبإبعاد شموئيل جونين عن قيادة الجبهة الجنوبية، لكنها حصرت مسئولية مائير وديان في الجانب السياسي وبرأتهما من التقصير المباشر، فانفجر الشارع غاضبًا لأن الحساب وقع على الجنرالات وأفلت أصحاب القرار، حتى اضطرت مائير إلى الاستقالة ومعها ديان.

ومما لم يشتهر كثيرًا أن الشهادات التي رُفعت عنها السرية جزئيًا عام ٢٠١٣ كشفت أن إليعازر ألح فجر السادس من أكتوبر على ضربة جوية استباقية وتعبئة واسعة فرفضتهما القيادة السياسية، وأن الخلاف بين الجنرالات استمر سنوات، وأن إليعازر مات عام ١٩٧٦ وهو يرى التقرير ظلمًا له.

وهكذا خسرت إسرائيل بحرب العاشر من رمضان، ومعها خسرت يقينها بنفسها، وكان اعتراف قادتها، وإن جاء مغلّفًا بالدفاع عن النفس، أصدق ما قيل عن أكتوبر لأنه خرج من الخصم وليس من المنتصر.