الحرس الثوري في قلب الجدل الدولي.. ماذا تكشف أنشطة التجنيد خارج إيران؟
يبرز ملف الحرس الثوري الإيراني وشبكات التجنيد المرتبطة به باعتباره أحد الملفات الأمنية المثيرة للجدل في العلاقات بين طهران وعدد من الدول الأوروبية والإقليمية، وذلك في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد المخاوف الدولية بشأن الأنشطة الاستخباراتية العابرة للحدود.
وتزداد أهمية هذا الملف في ضوء الاتهامات المتعلقة باستهداف معارضين إيرانيين في الخارج، ومحاولات تنفيذ عمليات أمنية واستخباراتية خارج الأراضي الإيرانية، فضلًا عن الدور الذي لعبته المؤسسات العسكرية والأمنية الإيرانية في توسيع نفوذ طهران داخل عدد من دول المنطقة.
ولا تقتصر تداعيات هذه الأنشطة، وفقًا للتقارير والاتهامات التي تناولتها جهات دولية مختلفة، على العلاقات الثنائية بين إيران والدول المعنية، بل تمتد إلى قضايا الأمن الداخلي الأوروبي، وحماية المعارضين السياسيين، ومكافحة التجنيد والتجسس، فضلًا عن تأثيرها في التوازنات الإقليمية.
كما تثير هذه التطورات تساؤلات بشأن الأدوات التي تستخدمها الدول لتوسيع نفوذها خارج حدودها، والحدود الفاصلة بين العمل الاستخباراتي التقليدي والعمليات التي تستهدف أشخاصًا أو منشآت في دول أخرى.
وفي هذا السياق، يكتسب تحليل بنية المؤسسات الأمنية الإيرانية وأدوارها أهمية خاصة لفهم طبيعة السياسة الإيرانية في التعامل مع التحديات الخارجية، لا سيما في ظل الدور الذي يؤديه الحرس الثوري الإيراني، إلى جانب «فيلق القدس»، في الملفات الأمنية والعسكرية الإقليمية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار الجدل الدولي بشأن طبيعة الأنشطة الإيرانية في الخارج، ومدى تأثيرها في أمن الدول الأوروبية واستقرار منطقة الشرق الأوسط.
وأكد الدكتور مسعود إبراهيم، أستاذ الدراسات الإيرانية، أن الحرس الثوري الإيراني يمتلك خبرة واسعة في تجنيد العملاء خارج حدود الدولة، مشيرًا إلى أن طهران نُسبت إليها عمليات استخباراتية وأمنية على الأراضي الأوروبية، من بينها حوادث وقعت في هولندا استهدفت معارضين أو أشخاصًا مرتبطين بجهاز «الموساد»، وفقًا لما عرضه خلال مداخلة هاتفية لقناة «النيل للأخبار».
شبكات التجنيد خارج الحدود
وأوضح مسعود إبراهيم أن الحرس الثوري الإيراني يمتلك خبرة متراكمة في استقطاب أفراد وتجنيدهم لتنفيذ مهام استخباراتية وأمنية خارج إيران، لافتًا إلى أن هذه الأنشطة تمثل أحد أوجه التحرك الإيراني خارج ساحات الصراع التقليدية.
وأشار إلى أن الاعتماد على شبكات بشرية داخل الدول المستهدفة يمكن أن يتيح للأجهزة الاستخباراتية جمع المعلومات وتنفيذ مهام محددة، وهو ما يجعل مواجهة هذه الأنشطة مرتبطة بقدرة الأجهزة الأمنية على رصد محاولات التجنيد، ومتابعة التحركات المشبوهة، والتعاون مع الأجهزة النظيرة في الدول المختلفة.
وتثير الاتهامات المتعلقة بتجنيد مواطنين أوروبيين لتنفيذ مهام لصالح جهات إيرانية تساؤلات بشأن أساليب الاستقطاب المستخدمة، ومدى استغلال العلاقات الشخصية أو المصالح المالية أو الخلافات السياسية في بناء هذه الشبكات. غير أن تحديد المسؤولية عن أي واقعة بعينها يظل مرتبطًا بالأدلة والتحقيقات الرسمية والأحكام القضائية ذات الصلة.
كما أن التعامل مع هذه القضايا يتطلب التمييز بين الاتهامات السياسية والتقييمات الاستخباراتية من جهة، والوقائع التي تثبتها التحقيقات أو الأحكام القضائية من جهة أخرى، لضمان تقديم صورة دقيقة عن طبيعة الأنشطة المنسوبة إلى الجهات المعنية.
هولندا وأوروبا في دائرة الاتهامات الأمنية
ولفت أستاذ الدراسات الإيرانية إلى حوادث شهدتها هولندا ضمن سياق الاتهامات المتعلقة بالأنشطة الاستخباراتية الإيرانية في أوروبا، مشيرًا إلى أن هذه الوقائع تندرج في إطار أوسع من المخاوف بشأن استهداف معارضين إيرانيين أو أشخاص مرتبطين بأجهزة استخباراتية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول الأوروبية التي تواجه تحديات تتعلق بحماية المعارضين المقيمين على أراضيها، وضمان عدم تحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية أو تنفيذ عمليات مرتبطة بصراعات خارجية.
وتتطلب مواجهة هذه المخاطر تعاونًا أمنيًا واستخباراتيًا بين الدول، وتبادل المعلومات بشأن التهديدات المحتملة، إلى جانب تطوير الأطر القانونية التي تسمح بملاحقة المتورطين في أعمال التجسس أو التخطيط لعمليات عنف، وفقًا للقوانين الوطنية والالتزامات الدولية.
كما أن حماية الأمن الداخلي لا تنفصل عن الحفاظ على سيادة القانون، إذ ينبغي أن تستند الإجراءات المتخذة إلى أدلة قابلة للفحص، وأن تضمن حقوق الأفراد في إطار الإجراءات القضائية المعمول بها.
توسيع النفوذ الإيراني
وفيما يتعلق بالدور الإقليمي للمؤسسات العسكرية الإيرانية، أشار إبراهيم إلى الدور المحوري الذي لعبه «فيلق القدس»، خلال فترة قيادته من جانب قاسم سليماني، في تنفيذ عمليات عسكرية واستخباراتية في دول مجاورة، من بينها العراق وسوريا ولبنان.
وأوضح أن أنشطة الفيلق ارتبطت باستراتيجية توسيع النفوذ الإيراني في المنطقة، من خلال العلاقات مع جماعات مسلحة وحلفاء محليين، إلى جانب المشاركة في ملفات أمنية وعسكرية متعددة.
ويعد «فيلق القدس» أحد التشكيلات التابعة للحرس الثوري الإيراني، ويتولى مهام مرتبطة بالعمليات الخارجية والعلاقات مع الجهات الحليفة لطهران خارج حدودها. وقد ارتبط دوره بتطورات الصراعات الإقليمية، خاصة في العراق وسوريا ولبنان، حيث تداخلت الحسابات الأمنية والعسكرية مع التنافس الإقليمي والدولي.
وتعكس هذه الأنشطة طبيعة السياسة الإيرانية التي تجمع بين أدوات الدولة الرسمية وشبكات النفوذ الإقليمية، وهو ما يجعل تقييم دور طهران في أزمات المنطقة مرتبطًا بفهم طبيعة العلاقات التي تربط مؤسساتها العسكرية والأمنية بالقوى المحلية في الدول الأخرى.
العمليات الخارجية وتحديات الأمن الدولي
وأكد أستاذ الدراسات الإيرانية أن التقارير والبيانات الدولية التي تتناول أنشطة إيران والحرس الثوري تستند، في بعض الحالات، إلى معلومات وأدلة تتعلق باتهامات بتنفيذ عمليات خارج الأراضي الإيرانية، مشيرًا إلى أن هذه القضية تفرض تحديات أمنية على المجتمع الدولي.
وتكمن صعوبة التعامل مع الأنشطة الاستخباراتية العابرة للحدود في طبيعتها المعقدة، إذ قد تتداخل فيها شبكات من الوسطاء والأفراد والجهات المحلية، ما يتطلب تعاونًا بين المؤسسات الأمنية والقضائية لتحديد المسؤوليات، وجمع الأدلة، وملاحقة المتورطين وفقًا للقانون.
كما أن هذه الأنشطة قد تؤدي إلى توترات دبلوماسية، وتؤثر في العلاقات التجارية والسياسية، وتدفع الدول المعنية إلى مراجعة سياساتها الأمنية تجاه الجهات التي تتهمها بالوقوف وراء عمليات غير مشروعة.
وفي المقابل، تظل دقة المعلومات والتحقق المستقل من الوقائع عاملين أساسيين في تقييم الاتهامات الموجهة إلى أي دولة أو مؤسسة، خاصة عندما تتصل القضية بملفات استخباراتية يصعب الكشف عن تفاصيلها بصورة كاملة.
تداعيات الأنشطة الاستخباراتية
وتنعكس الاتهامات المتعلقة بالعمليات الخارجية على طبيعة العلاقات بين إيران والدول الأوروبية، إذ يمكن أن تؤدي إلى إجراءات دبلوماسية أو أمنية، أو إلى فرض قيود وعقوبات في الحالات التي تقرر فيها الجهات المعنية وجود أدلة تستدعي اتخاذ مثل هذه الخطوات.
كما تضع هذه الملفات الحكومات الأوروبية أمام مسؤولية الموازنة بين حماية الأمن القومي، والحفاظ على القواعد القانونية التي تنظم التعامل مع الجرائم العابرة للحدود، وضمان حماية الأشخاص الذين قد يكونون مستهدفين بسبب مواقفهم السياسية أو ارتباطاتهم السابقة.
وعلى المستوى الإقليمي، يرتبط نشاط المؤسسات الأمنية الإيرانية بتوازنات معقدة تشمل المصالح الإيرانية ومواقف الدول المجاورة وأدوار القوى الدولية، وهو ما يجعل آثار هذه الأنشطة ممتدة إلى ما هو أبعد من العمليات الفردية، لتشمل حسابات الردع والاستقرار وإدارة الصراعات.