أستاذ علوم سياسية: واشنطن تسعى لتحقيق أهدافها دون تنازلات.. وطهران تبحث عن بدائل لمواجهة الحصار
في ظل استمرار التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وتداخل المسارات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في إدارة الأزمة، تتجه الأنظار إلى طبيعة الاستراتيجية التي تتبعها الإدارة الأمريكية في التعامل مع طهران، ومدى قدرتها على تحقيق أهدافها من خلال الضغوط المتواصلة دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة.
وبين التهديد باستخدام القوة، وتشديد القيود الاقتصادية، والتحركات الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التصعيد، يبدو المشهد مفتوحًا أمام أكثر من مسار، في وقت تحاول فيه الأطراف المعنية الحفاظ على أوراق الضغط المتاحة لديها، مع تجنب الوصول إلى نقطة يصعب عندها احتواء المواجهة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ضوء التداعيات المحتملة لأي تصعيد على أمن المنطقة واستقرار أسواق الطاقة وحركة التجارة والملاحة، فضلًا عن انعكاساته على العلاقات الإقليمية والدولية، فالتوتر بين واشنطن وطهران لا يقتصر على الخلافات السياسية، بل يمتد إلى ملفات اقتصادية واستراتيجية ترتبط بالعقوبات والتجارة وأمن الممرات البحرية، وهو ما يجعل إدارة الأزمة عملية معقدة تتداخل فيها حسابات القوة والمصالح والضغوط المتبادلة.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور خالد شنيكات، أستاذ العلوم السياسية، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعتمد في سياسته الخارجية على مزيج من التهديد باستخدام القوة العسكرية والضغوط الاقتصادية والتحركات الدبلوماسية، إلى جانب عقد الصفقات، موضحًا أن الجمع بين هذه الأدوات يجعل من الصعب حصر تحركات الإدارة الأمريكية في مسار سياسي واحد أو الجزم باتجاه واحد للأزمة.
أوضح شنيكات أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تحقيق أهدافها في التعامل مع إيران دون تقديم تنازلات، من خلال الاستمرار في ممارسة الضغوط على طهران، بالتوازي مع إبقاء قنوات التفاوض والوساطة مفتوحة، بما يمنح واشنطن خيارات متعددة للتعامل مع تطورات المشهد.
استراتيجية أمريكية
وأوضح أستاذ العلوم السياسية أن السياسة الأمريكية تجاه إيران تقوم، وفق تقديره، على استخدام أدوات متوازية، تشمل التلويح بالخيار العسكري، وتشديد الحصار والضغوط الاقتصادية، إلى جانب التحركات الدبلوماسية التي تستهدف التعامل مع الأزمة عبر التفاوض والوساطة.
وأشار إلى أن هذا النهج يتيح للإدارة الأمريكية مواصلة الضغط على طهران، مع الاحتفاظ بإمكانية الانتقال إلى مسارات أخرى وفقًا لتطورات الموقف، إذ لا يعني استمرار الاتصالات الدبلوماسية بالضرورة تراجع الضغوط الاقتصادية أو التخلي عن التهديد باستخدام القوة.
ويعكس هذا التداخل بين الأدوات المختلفة طبيعة إدارة الأزمات الدولية، التي قد تجمع بين التصعيد السياسي والتفاوض في الوقت نفسه، بهدف التأثير في حسابات الطرف الآخر ودفعه إلى إعادة النظر في مواقفه. وفي الحالة الإيرانية، يظل مدى نجاح هذه المقاربة مرتبطًا بقدرة واشنطن على تحقيق أهدافها المعلنة، وبمدى استعداد طهران للتعامل مع المطالب الأمريكية، فضلًا عن تأثير المصالح الإقليمية والدولية في مسار الأزمة.
احتمالات التصعيد العسكري
وفيما يتعلق بمستقبل المواجهة، أشار شنيكات إلى أن تجنب التصعيد العسكري بصورة مؤقتة يظل احتمالًا قائمًا في ظل التحركات الدبلوماسية الجارية، لكنه شدد على أن الخيار العسكري لا يزال مطروحًا أمام الإدارة الأمريكية إذا رأت أن الظروف تستدعي اللجوء إليه.
ويعني ذلك أن استمرار المسار الدبلوماسي لا يضمن وحده الوصول إلى تسوية نهائية، خاصة في ظل استمرار الخلافات والضغوط المتبادلة. فنجاح الوساطات يتطلب وجود مساحة مشتركة يمكن البناء عليها، إلى جانب استعداد الأطراف لتقديم تفاهمات أو اتخاذ خطوات متبادلة تساعد على خفض حدة التوتر.
يؤدي تعثر الاتصالات أو تصاعد الضغوط إلى زيادة المخاطر المرتبطة بالمواجهة، وهو ما يجعل متابعة التحركات السياسية والعسكرية والاقتصادية أمرًا ضروريًا لفهم الاتجاهات المحتملة للأزمة، دون افتراض أن التصعيد أو التهدئة أصبحا مسارين محسومين.
وتظل كلفة أي مواجهة عسكرية عاملًا مهمًا في حسابات الأطراف المعنية، نظرًا لما قد تترتب عليه من تداعيات أمنية واقتصادية تتجاوز حدود البلدين، لتشمل دول المنطقة وحركة التجارة الدولية وأسواق الطاقة. ولذلك، تكتسب الوساطات والاتصالات السياسية أهمية باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن أن تسهم في الحد من مخاطر التصعيد، حتى مع استمرار الخلافات الأساسية.
مواجهة الحصار الأمريكي
على الجانب الآخر، أوضح شنيكات أن إيران بدأت البحث عن بدائل للتعامل مع الحصار والقيود الأمريكية، مشيرًا إلى توجهها نحو تعزيز الاعتماد على التجارة عبر بحر قزوين، في محاولة للتكيف مع القيود المفروضة على تحركاتها التجارية في الخليج العربي والمياه المحيطة به.
ويعكس هذا التوجه أهمية المسارات التجارية البديلة بالنسبة إلى الدول التي تواجه قيودًا اقتصادية، إذ يمكن لتنويع طرق النقل والتجارة أن يساعد في تخفيف بعض الضغوط، وفتح قنوات إضافية للتبادل التجاري مع الشركاء الإقليميين.
ويمثل بحر قزوين أحد المسارات الجغرافية التي يمكن أن تستفيد منها إيران في تعزيز علاقاتها التجارية مع الدول المطلة عليه، إلى جانب الاستفادة من شبكات النقل والربط البري التي تصل المنطقة بأسواق أخرى. ومع ذلك، فإن الاعتماد على هذه المسارات لا يعني بالضرورة القدرة على تجاوز جميع آثار العقوبات، إذ تظل حركة التجارة مرتبطة بعوامل متعددة، تشمل البنية التحتية، وتكاليف النقل والتأمين، والقيود المالية، وقدرة الشركاء التجاريين على مواصلة التعاملات في ظل الضغوط الدولية.
ومن ثم، فإن تحرك طهران نحو البحث عن بدائل تجارية يمكن قراءته في إطار محاولات التكيف مع القيود المفروضة عليها، وتنويع منافذها الاقتصادية، وتقليل الاعتماد على المسارات الأكثر تعرضًا للتأثر بالتوترات الإقليمية.
بحر قزوين في حسابات التجارة الإقليمية
وتبرز أهمية بحر قزوين في هذا السياق باعتباره مجالًا جغرافيًا يربط إيران بعدد من الدول، ويوفر فرصًا للتعاون التجاري والنقل الإقليمي. وقد تسهم الاستفادة من الموانئ وشبكات النقل والطرق البرية المرتبطة به في دعم حركة السلع وتوفير بدائل لبعض مسارات التجارة التقليدية.
غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى بديل تجاري واسع يتطلب توافر قدرات لوجستية مناسبة، وتنسيقًا مع الدول المعنية، إلى جانب مراعاة التكاليف والقيود التي قد تواجه حركة البضائع. كما أن أثر هذه المسارات في تخفيف الضغوط الاقتصادية يعتمد على طبيعة السلع المتداولة، وحجم التجارة، والقيود المفروضة على المعاملات المالية والتجارية.
وبالتالي، فإن أهمية بحر قزوين في الحسابات الإيرانية لا تتعلق بالجغرافيا وحدها، بل ترتبط كذلك بقدرة طهران على تطوير علاقاتها الاقتصادية الإقليمية، وتوسيع خياراتها التجارية، والتعامل مع التحديات التي تفرضها العقوبات.
مستقبل الأزمة بين الضغوط الأمريكية والخيارات الإيرانية
وتشير قراءة شنيكات إلى أن الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران تتحرك عبر مسارات متداخلة، حيث تستمر واشنطن في ممارسة الضغوط الاقتصادية والسياسية، مع الاحتفاظ بخيار القوة العسكرية، بينما تسعى طهران إلى البحث عن منافذ بديلة للتجارة وتخفيف آثار القيود المفروضة عليها.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى المسار الدبلوماسي أحد العوامل المؤثرة في تحديد اتجاه الأزمة، لكنه ليس العامل الوحيد، إذ تتداخل معه حسابات الردع والمصالح الاقتصادية والتوازنات الإقليمية. كما أن قدرة كل طرف على تحمل الضغوط والاستمرار في سياسته الحالية ستؤثر في طبيعة الخيارات المتاحة خلال المرحلة المقبلة.