بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

التونية رمز النقاء.. سر ارتداء اللباس الأبيض في الكنيسة خلال القداس الإلهي

التونية خلال القداس
التونية خلال القداس الإلهي

في كل قداس إلهي، تتكرر أمام عيون المصلين صورة تبدو مألوفة، لكهنا تحمل بين تفاصيلها معاني تستحق التأمل، كاهن يقف أمام المذبح، وشمامسة يشاركون الصلاة والتسابيح، تجمعهم ثياب بيضاء تتخللها الصلبان، بينما تتعالى الألحان في أرجاء الكنيسة، وتمضى الصلوات في إيقاعها الروحي المعتاد، وبينما تنشغل العين بحركة الصلاة، قد تمر هذه الثياب كأنها مجرد زي مخصص للخدمة، من دون أن يتوقف كثيرون أمام ما تحمله من دلالات تتجاوز المظهر الخارجي إلى معاني الإيمان والنقاء والخلاص.

 

إنها "التونية"، الثوب الذي ارتبط بالصلاة والخدمة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وأصبح جزءًا من المشهد الذي يتكرر مع كل قداس، لكن خلف هذا اللون الأبيض، وتلك الصلبان التي تزين الثوب، وتصميمه الذي يحمل دلالة رمزية، تتوارى معاني تفتح لفهم جانب من جمال الطقس القبطي، فكيف أصبحت "تونية" علامة تحمل رسائل روحية عن نقاء القلب وحمل الصليب ووحدة الكنيسة.

<strong>القداس الإلهي</strong>
القداس الإلهي

التونية.. اسم ارتبط بالخدمة الكنسية

تحمل التونية دلالة لغوية ترتبط بكلمة "تونيكا" اللاتينية، التي تطلق نوع من الثياب التي تُرتدي على الجسد، وفي الاستخدام الكنسي القبطي، أصبح الاسم مرتبطًا بالثوب الذي يرتديه الكهنة والشمامسة أثناء الخدمة الطقسية، ليغدو أحد الملامح المميزة للملابس الكنسية، ومع تكرار حضورها في القداسات، لم تعد التونية مجرد قطعة من القماش تميز الخادم داخل الكنيسة، بل ارتبطت بمعاني روحية تدعو إلى التأمل في طبيعة الخدمة وما تحمله من مسؤولية.

الأبيض.. ذكرى المعمودية وصفاء القلب

  يحمل اللون الأبيض في الرمزية المسيحية معاني الطهارة والنقاء والحياة الجديدة، ولذلك يستدعي إلى الذاكرة ثياب المعمودية البيضاء التي ترمز إلى الولادة الروحية في المسيح وبداية حياة جديدة معه، ومن هنا، لا يبدو اللون مجرد اختيار شكلي يميز "التونية" عن غيرها من الملابس، بل يصبح تذكيرًا بمعنى روحي يتصل بنقاء القلب والاستعداد للخدمة فالمشهد الذي يراه المصلون أمام المذبح لا ينفصل عن دعوة الإنسان إلى مراجعة ذاته واستحضار المعاني التي تعبر عنها هذه الثياب، إذ لا تكتمل قيمة المظهر الخارجي إلا بما يعكسه من إيمان والتزام داخلي.

الصلبان.. علامة الإيمان ومسؤولية الخدمة

تظهر على التونية، الصلبان لتمنح الثوب علامة مميزة وتحمل في معناها تذكيرًا بالصليب في حياة المؤمن، فالصليب في الإيمان المسيحي ليس مجرد علامة تُرسم على الثياب أو تعلق في الكنائس، بل يرتبط بدعوة السيد المسيح إلى أتباعه والسير في طريقه.

ويصبح حضور الصلبان على التونة استحضارًا لمعاني البذل والعطاء والتضحية، وتذكير للكاهن والشماس بأن الخدمة ليست مظهرًا يرى، بل مسؤولية تتطلب الإخلاص والالتزام، وبين الثوب الذي يرتديه الخادم والمعنى الذي يحمله الصليب تتجلى رسالة تتجاوز الطقس إلى جوهر الحياة الروحية.

<strong>التونية</strong>
التونية

ثوب ورمز لوحدة الكنيسة 

تبرز في التصميم التقليدي التونية، دلالة الثوب المصنوع من قطعة واحدة، وهو ما يرتبط رمزيًا بقميص السيد المسيح الذي يذكر إنجيل يوحنا أنه كان منسوجًا بغير خياطة، ويروى الإنجيل أن الجنود، بعدما صلبوا السيد المسيح، اقتسموا ثيابه فيما بينهم، بينما اقترعوا على قميصه الذي لم يكن مخيطًا، وفق ما جاء في إنجيل يوحنا (19: 23-24)،  ومن هذه الصورة الكتابية، يستحضر التفسير الرمزي للتونية معني الوحدة، باعتبارها إشارة إلى الكنيسة التي يجمع أبناءها الإيمان والمحبة.

وهنا تتجاوز دلالة الثوب تفاصيل تصميمه، لتلامس معني أوسع، فالوحدة ليست مجرد صورة تبدو متماسكة من الخارج، بل قيمة تحتاج إلى المحبة والسلام والحرص على اجتماع أبناء الكنيسة في الإيمان.

من ثوب الصلاة إلى جوهر الإيمان

لا تقف دلالة التونية البيضاء عند حدود ثوب يرتديه الكاهن والشمامسة مع بداية القداس، بل تمتد إلى معاني تتجدد كع كل صلاة، فالأبيض يستحضر النقاء والحياة الجديدة، والصلبان تذكر بطريق الإيمان والبذل، والثوب الواحد يفتح باب التأمل في وحدة الكنيسة، وبينما تتكرر هذه الصورة أمام المصلين من قداس إلى آخر، تظل تفاصيلها شاهدة على أن الطقس الكنسي ليس مجرد حركات أو مظاهر اعتادتها العيون، بل لغة تحمل رموزًا ومعاني تشكل جزءًا من الوجدان الروحي للمؤمنين، فربما لا يتوقف كثيرون طويلًا أمام التونية البيضاء، لكن التأمل في دلالاتها يكشف أن وراء أبسط تفاصيل المشد الكنسي رسائل أعمق، تبدأ من الثوب، وتمتد إلى القلب، وتكتمل حين يصبح الإيمان محبة، والخدمة عطاء والوحدة حياة تُعاش.

<strong>القداس الإلهي</strong>
القداس الإلهي