بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

البحوث الإسلامية يناقش شُبُهات المستشرقين والحداثيين حول الوحدة الموضوعية لسور القرآن

بوابة الوفد الإلكترونية

واصل مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف فعاليات ملتقيات (شبهات وردود)، التي تنظِّمها اللجنة العُليا لشئون الدعوة بالمجمع في إطار برنامج (منبر الوعي)، بتوجيهات من الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف. 

وحاضر في الملتقى العاشر -الذي عُقِد مساء اليوم في مدينة البعوث الإسلاميَّة- الدكتور عبد الفتَّاح العواري، عضو مجمع البحوث الإسلامية، والدكتور حسن يحيى، الأمين العام المساعد للجنة العُليا لشئون الدعوة بالمجمع؛ إذ ناقشا قضيَّة الوَحدة الموضوعيَّة لسُوَر القرآن الكريم، وما أُثير حولها من شُبُهات لدى بعض المستشرقين والحداثيين.

وفي كلمته، قال عبد الفتَّاح العواري: إنَّ من أبرز الشُّبهات التي يثيرها المشكِّكون الزعم بأنَّ القرآن الكريم من تأليف النبي ﷺ، وليس وحيًا من عند الله تعالى، موضِّحًا أنَّ القرآن الكريم ردَّ على هذه الدعوى ردًّا حاسمًا، بقوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ* لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}، مشيرًا إلى أنَّ هذه الدعاوى تقوم على حُجَج واهية تستهدف التشكيك في مصدر القرآن الكريم والنَّيل من ثوابت الدِّين، وتتجاهل ما يتضمَّنه النَّص القرآني من دلائل واضحة على حقيقة الوحي ومصدره الإلهي.

وأكَّد الدكتور العواري أنَّ الادِّعاء بأنَّ جمع القرآن الكريم جرى بصورة عشوائيَّة، أو خضع لأهواء مَن تولَّوا كتابته وجمعه؛ يخالف ما جرى منذ بداية نزول الوحي؛ إذ كان للنبي ﷺ كُتَّاب يدوِّنون ما ينزل عليه من القرآن الكريم، وكان يوجِّههم إلى مواضع الآيات في سُوَرها، فلم يكُن ترتيب الآيات متروكًا لاجتهاد الكَتَبة أو أهوائهم؛ وإنَّما قام على التوجيه النبوي والتوقيف؛ بما ينقض الزعم بأنَّ ترتيب القرآن الكريم جاء نتيجة اختيارات بشريَّة لا تستند إلى منهج منضبط.

وبيَّن عضو مجمع البحوث الإسلامية أنَّ جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصدِّيق -رضي الله عنه- جاء حرصًا على صيانته وحفظه، بعد استشهاد عدد من القُرَّاء في معركة (اليمامة)؛ إذْ جرى جَمْعه في الصُّحف اعتمادًا على ما حُفظ في الصدور وما كُتب بين يدي النبي ﷺ، وَفق منهج دقيق في التثبُّت والمراجعة؛ لضمان مطابقة المكتوب لما تلقَّاه الصحابة عن رسول الله ﷺ، لافتًا إلى أنَّ الشُّبهات المثارة حول القرآن الكريم ليست جديدة؛ وإنَّما تتجدَّد محاولات طَرْحها بأشكال مختلفة تستهدف زعزعة ثقة المسلمين بكتاب الله تعالى.

كما أكَّد الدكتور العواري أنَّ الزعم بافتقار القرآن الكريم إلى الوَحدة الموضوعيَّة والترابط بين آياته وسُوَره لا يصمد أمام التدبُّر الدقيق في بنائه؛ إذ تكشف القراءة المتأنِّية عن وجوه التناسب بين الآيات داخل السورة الواحدة، والترابط بين الجُمل والمعاني، فضلًا عن أوجه الاتساق بين افتتاح السُّوَر وخواتيمها؛ بما يُظهر إحكام النَّظم القرآني وتكامل مقاصده، ويكشف قصور القراءات السطحيَّة التي تجتزئ النصوص من سياقاتها، مشيرًا إلى أنَّ عددًا مِنَ المؤلَّفات والدراسات العلميَّة تناول هذه الجوانب، وأبرز وجوه التناسب والانسجام في النَّظم القرآني، بما يعين على إدراك ترابط المعاني وتكامل المقاصد.

من جانبه، أوضح الدكتور حسن يحيى أنَّ بعض المستشرقين -ومنهم: جورج سيل، وريتشارد بيل- زعموا غياب الترابط بين آيات القرآن الكريم وموضوعات سُوَره، وذهبوا إلى أن تعدُّد الموضوعات في السُّوَر الطويلة دليل على افتقارها إلى الوَحدة الموضوعيَّة، وقد انساق وراء هذه التصوُّرات أصحاب الموسوعة البريطانيَّة، فصوَّروا السُّوَر الطويلة على أنَّها موضوعات متعدِّدة لا رابط بينها، وأنَّ القرآن الكريم جاء في صورة إنشاء عشوائي، مستندين إلى تصوُّرات تزعم أنَّ جَمْع القرآن الكريم وترتيب آياته لم يخضعا لمنهج محدَّد؛ مؤكِّدًا أنَّ مناقشة هذه الشُّبهات تقتضي الوقوف على منطلقاتها الفكريَّة والعقديَّة، وفهم التصوُّرات التي بُنيت عليها، ثم إخضاعها للبحث العلمي الدقيق.

وأشار الدكتور يحيى إلى أنَّ التأمُّل في سُوَر القرآن الكريم يكشف عن نظام محكم في بنائها، تتكامل فيه المقدِّمات مع الموضوعات والخواتيم، وتتآلف فيه المعاني على نحوٍ يُظهر وَحدة السورة واتساق مقاصدها؛ فتنوُّع الموضوعات لا يعني تشتُّتها؛ وإنما تتكامل الأجزاء في خدمة المقصد العام، وتؤدِّي كل آية موقعها في بناء السورة؛ بما يبرز دقَّة النَّظم القرآني وحُسْن سبكِه.

ولفت الأمين العام المساعد للجنة العُليا لشئون الدعوة إلى أنَّ ترتيب الآيات والسُّوَر، وطريقة ورود الآيات في سياقات ومناسبات مختلفة؛ مِنَ القضايا التي تكشف عن خصوصيَّة البناء القرآني؛ إذ لا يمكن تفسير هذا الاتساق بمجرَّد ترتيب تاريخي للنزول، أو جمع آيات متجانسة الموضوعات فحسب؛ وإنما تكشف القراءة المتدبِّرة عن نظام تتآلف فيه الموضوعات المتنوِّعة ضمن بناء متماسك، تتساند أجزاؤه وتتضافر دلالاته.

واستشهد الدكتور حسن يحيى بما قرَّره عدد من علماء المسلمين في دراسة نَظْم القرآن الكريم وترابط آياته، ومنهم: الإمام عبد القاهر الجرجاني، والإمام الزملكاني، والدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (النبأ العظيم)، والدكتور فضل حسن عباس في كتابه (إعجاز القرآن)؛ موضِّحًا أنَّ عناية العلماء بهذا الجانب تكشف عن أصالة البحث في الوَحدة الموضوعيَّة والاتساق القرآني في التراث الإسلامي، وأنَّ تعدُّد موضوعات السورة لا يحُول دون إدراك وَحدتها، متى قُرئت آياتها في سياقها، ونُظر إلى عَلاقاتها بعضها ببعض.

القرآن الكريم يتفرَّد بإحكام نظمه وترابُط معانيه

واختتم الدكتور حسن يحيى حديثه بتأكيد أنَّ القرآن الكريم يتفرَّد بإحكام نظمه وترابُط معانيه، وأنَّ ما يبدو للقارئ المتعجِّل انتقالًا بين موضوعات متباينة، يتجلَّى بالتدبُّر والفهم الدقيق في صورة بناء متكامل تتآلف أجزاؤه وتخدم مقاصده؛ مشيرًا إلى أنَّ دراسة الوَحدة الموضوعيَّة للسُّوَر القرآنيَّة تفتح مجالًا لفهم أعمق لوجوه الإعجاز البياني، وتُبرز عجز القراءات المجتزأة عن إدراك طبيعة النَّص القرآني وخصائصه.

وتأتي هذه الملتقيات في إطار جهود مجمع البحوث الإسلاميَّة لترسيخ الوعي الدِّيني الرشيد، وتحصين الشباب من الشُّبهات والمفاهيم المغلوطة، من خلال مناقشة القضايا المثارة حول القرآن الكريم وعلومه، وتقديم ردود علميَّة تستند إلى أصالة المنهج الأزهري، ودقَّة الفهم، وقواعد البحث والتحقيق؛ بما يُسهم في تعميق فهم النَّص القرآني، وإبراز وجوه اتساقه وترابطه، والتعامل الواعي مع القراءات التي تتناول قضاياه بعيدًا عن الأحكام المتعجِّلة والتصوُّرات غير الدقيقة.