بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

قضية ورأي

هل كان سعد زغلول «مقامرًا»؟

تذكرنى موجة الهجوم الحالية على أم المصريين صفية زغلول، بالهجوم على زوجها سعد باشا، أو بالهجوم المتجدد على التيار المدنى عمومًا.
فالمدرس الذى نال الأسبوع الماضى من صفية زغلول وهدى شعراوي، لقى حفاوة ظاهرية على السوشيال ميديا، وهى حفاوة مرعبة تكشف أن بيننا تيارًا كبيرًا يبحث عن القشور.
فى شتاء 2000 أو 2001 لا أذكر، ذهبت رفقة أستاذنا الراحل عباس الطرابيلى لتغطية ندوته فى معرض القاهرة للكتاب.
كانت ذروة الأفكار التى يراها البعض «أصولية» وأراها «متطرفة»، تجمع كثيرين، وهى أفكار متراكمة تنتظر من يشعلها، فتحرق هنا وهناك.
كانت مصر تودع التسعينيات التى شهدت موجات عنف متتالية خصوصًا فى الصعيد، وطالت الاغتيالات ومحاولات الاغتيال رجال الدولة ورموزها: رفعت المحجوب، وفرج فودة، وعاطف صدقي، ونجيب محفوظ، وصفوت الشريف، والرئيس مبارك، وحسن الألفي، وقائمة شرف طويلة من شهداء الشرطة الذين استهدفهم التكفيريون.
وكان التيار الدينى على اختلاف انتماءاته موجودًا فى الشارع بقوة، خصوصًا شباب جامعة الأزهر الذين تظاهروا خلال ذلك العام رفضًا لإعادة طبع رواية «وليمة لأعشاب البحر» للأديب السورى حيدر حيدر.
فى ندوة معرض الكتاب، جلس أستاذنا عباس الطرابيلى على المنصة، يتحدث قليلاً عن مصر وشوارعها، خصوصًا أن له كتابًا شهيرًا اسمه «شوارع لها تاريخ: سياحة فى عقل الأمة».
كان الطرابيلى وقتها يرأس تحرير جريدة الوفد، ولم تكن الندوة سياسية؛ إذ كانت السياسة ممنوعة فى معرض الكتاب.. وكان الحديث المسموح به وقتها هو مناقشات فكرية دون أى بعد سياسي.
لكن فجأة وقف أحد الشباب يسأل فى استنكار: «سعد زغلول كان سكيراً.. فكيف نثق فيه؟»
أدرك الطرابيلى أن الشاب -بلا شك- عضو إخوانى أراد أن يستعدى الجمهور عليه وعلى ندوته، ويسجل «هدفًا» فى مرمى الوفد الذى يعتبرونه حزبًا علمانيًا بعيدًا عن الدين وعن الأمة.
وبهدوئه ووفديته، فند الطرابيلى جانبًا من الهجوم الذى يتعرض له الوفد؛ تارة فى شخص سيرة سعد زغلول، وتارة أخرى فى سيرة النحاس باشا.
تحدث الطرابيلى عن المجتمع المصرى وعاداته مطلع القرن العشرين.
فمثلاً طوال تاريخ الخلافة الإسلامية، كان الحشيش مباحًا زراعة واستهلاكًا، لدرجة أن أول حظر لتدخين الحشيش واستهلاك المشروبات التى تحتوى على الحشيش كان فى أكتوبر 1800 خلال فترة الحملة الفرنسية على مصر.
ولم يصدر مرسوم بحظر استيراد القنب لمصر إلا فى 1879، ولم تفرض غرامات على الزراعة إلا فى 1891.
أما القمار فلم يصدر قانون يجرمه إلا عام 1941، وهو أول حظر رسمى لمنع ألعاب القمار أو إعطاء تراخيص للفنادق والكازينوهات.
أسهب أستاذنا الطرابيلى فى تشريح عادات المجتمع المصرى الذى كان يعتبر وقتها القمار لهوًا مباحًا، وكانت غالبية الطبقة الأرستقراطية تمارسه دون أن تشعر باحتقار مجتمعى تجاهه، وتحدث عن أهمية الفصل بين موقف سعد من الإنجليز وبين حريته الشخصية.
لكن إذا كان العرف وقتها قد قبل القمار، فإن ذلك لا يبرره ما دام محرمًا بحكم الدين..
فكان لى تعقيب: «كيف عرف السائل أن سعد زغلول كان يلعب القمار؟»
إنها مذكرات سعد زغلول نفسه، التى كتب فيها بكل نزاهة أنه فى عمر الأربعين، وبعد أن عاد من أوروبا، كان لديه ميل للعب القمار فى كلوب محمد علي.. واستمر يكافح للتوقف عن اللعب حتى نجح عام 1913، أى قبل الثورة بست سنوات كاملة.
ومما كتب: «الحمد لله على الهداية والإقلاع عن الغواية».
فكيف نحاسب شخصًا على ذنب شخصى تاب عنه واعترف، وكتبه ليكون قدوة لكل تائب؟
يبدو أن سعد زغلول حمد الله على الهداية قبل 113 سنة.. لكننا لا نزال نفتش عن الغواية وننهش فى الخصوم حتى نكسب معركة سياسية.
تاب إلى الله، بينما نحن لم نقبل توبته.
رحم الله سعد زغلول.