بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كيف استطاع الجيش المصرى القضاء على خط بارليف؟

بعد هزيمة حرب 1967، استولت إسرائيل على شبه جزيرة سيناء، وبدأت فى بناء خطتها الدفاعية عن سيناء بأسلوب الدفاع الغربي، المعروف باسم الدفاع المتحرك «Mobile Defense»، وأقامت على الخط الأول، على الضفة الشرقية لقناة السويس، خطًا دفاعيًا عُرف باسم خط بارليف، الذى سُمى على اسم الجنرال حاييم بارليف، رئيس أركان الجيش الإسرائيلى آنذاك.
بعد هزيمة يونيو 1967 كنت قائد سرية مشاة أدافع عن الضفة الغربية لقناة السويس، فى منطقة تسمى جنوب البحيرات المرة، وظللت فى هذا الموقع طوال أكثر من ست سنوات، هى عمر حرب الاستنزاف.
وأمام عينى شهدت بناء خط بارليف، على بعد نحو 200 متر من موقعي، وهى عرض قناة السويس.
وتم بناؤه ضمن خطته للدفاع عن سيناء وتأمينها، على غرار خط ماجينو، الذى بناه الفرنسيون لصد هجوم هتلر أثناء الحرب العالمية الثانية.
وصُنف خطا بارليف وماجينو باعتبارهما من أقوى الخطوط الدفاعية فى تاريخ العلم العسكرى فى العصر الحديث. وبينما تجنب الألمان خط ماجينو الفرنسى واخترقوا فرنسا عن طريق جبال الأردين فى بلجيكا، قرر المصريون اقتحام خط بارليف ونجحوا فى تدميره والقضاء على أسطورة تحصينه.
حتى إن الجنرال بارليف، صاحب فكرة إنشاء هذا الخط، قال بعد هزيمته فى حرب 1973 إن خط بارليف كان مثل قالب الجبن السويسرى المثقوب، من السهل اختراقه.
وبدأ الإسرائيليون بناء الخط باختيار أهم النقاط الحاكمة على طرق الاقتراب إلى عمق سيناء، وكذلك لتأمين والدفاع عن الأهداف الحيوية مثل مدينة القنطرة شرق، حيث تم بناء ثلاث نقاط قوية حول القنطرة، وأمام مدينة بورفؤاد على الطريق الساحلى المؤدى إلى العريش.
واستخدم الإسرائيليون قضبان خط السكة الحديد الذى كان يبدأ من الفردان حتى مدينة العريش لصناعة أسقف نقاط خط بارليف، ووضعوا فوقها فلنكات السكة الحديد، ثم وضعوا فوقها الرمال بارتفاع ستة أمتار، فكان من الصعب تدمير هذا الخط بأى نوع من أنواع المدفعية أو الطيران لاختراق هذه المواقع.
وكان الموقع مكونًا من ملاجئ لإقامة الجنود، وفتحات ونوافذ تطلق منها الرشاشات والمدافع على أى قوات تعبر القناة، ومصاطب تعتليها الدبابات لتضرب بنيرانها بزوايا يطلق عليها العسكريون «النيران الجانبية»، التى تحقق أكبر تدمير للعدو المهاجم دون أن يكتشف مكانها، بالإضافة إلى أبراج المراقبة.
والأكثر من ذلك أنه تم وضع أنابيب نابالم فى قاع قناة السويس، مهمتها ضخ النابالم الحارق فى مياه القناة لتحويلها إلى جحيم يحرق أى قوات مصرية وأى قوارب تحاول العبور واقتحام القناة.
إلا أن أبطال الصاعقة البحرية المصرية نجحوا قبيل العبور فى السباحة فى عمق قناة السويس وسد جميع فتحات أنابيب النابالم بأنواع خاصة من الخرسانة تعمل تحت المياه المالحة وتتجمد فى فترة وجيزة.
وبفضل الله وبفضل بسالتهم، نجحت قواتنا فى عبور قناة السويس دون أن تنطلق شحنة نابالم واحدة من أى نقطة من دفاعات خط بارليف، لتُدحض بذلك خطط العدو الإسرائيلي.
وكان خط بارليف مؤمنًا كذلك بقوات احتياطية من المدرعات والمشاة الميكانيكية بين نقاطه. وعندما بدأ عبور القوات المصرية، تجمدت تلك الاحتياطيات فى مواقعها ولم تستطع التحرك بسبب قوة نيران المدفعية المصرية.
وفى العمق كانت هناك احتياطيات محلية واحتياطيات قريبة من الدبابات والعربات المجنزرة، وتم تدميرها عندما حاولت الاقتراب لنجدة نقاط خط بارليف، إذ كانت الموجات الأولى من قوات عبور قناة السويس مدعمة بالصواريخ المضادة للدبابات، التى تصدت للتحركات الإسرائيلية وأفشلت محاولاتها الهجومية، فلم تستطع دعم نقاط بارليف التى سرعان ما تهاوت أمام الهجمات المصرية القوية.
وهكذا سقط خط بارليف «الحصين»، بفضل الله، وبفضل المقدم المهندس باقى زكى يوسف، صاحب فكرة استخدام ضغط المياه لإحداث ثغرات فى الساتر الترابي، اعتمادًا على خبرته فى بناء السد العالى واستخدام مضخات المياه لتجريف المنطقة التى سيتم فيها بناء السد.
وسقطت نقاط خط بارليف بالكامل، فمنها ما تم تدميره، ومنها ما طلب الاستسلام، وحضر الصليب الأحمر مراسم تسليم أحد المواقع إلى القوات المصرية.
وهكذا انتهت أسطورة خط بارليف على يد القوات المسلحة المصرية، لتسطر فى التاريخ العسكرى الحديث نصرًا عظيمًا تتحاكى به الأجيال المصرية وتفخر به عبر تاريخها.
وهنا يجب ألا ننسى الدور العظيم للفريق سعد الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، الذى أعد «التوجيه 41»، ونظم فيه عبور المانع المائى فى 12 موجة من القوارب المطاطية، واستخدام سلالم الحبال لعبور الساتر الترابي، كما صمم سترة الجندى الذى سيعبر بها ويستمر فى قتال العدو حتى وصول الدبابات وعربات الإمداد.
كما وضع خطة لمهاجمة كل نقطة من نقاط خط بارليف طبقًا لشكل الدفاعات الإسرائيلية، وتم تخصيص عناصر من الصاعقة البحرية أثناء التمهيد النيرانى لسد فتحات النابالم فى نقاط خط بارليف.
وهكذا كان «التوجيه 41» هو الخطة التفصيلية لتدمير خط بارليف.
وأتذكر أنه بعد إعداد «التوجيه 41»، أمضى الفريق سعد الشاذلى يومين فى كلية القادة والأركان مع الدارسين فى الدورة 25، وكنت واحدًا منهم، وناقشنا هذا التوجيه فى كافة جوانبه؛ المشاة والمدفعية والمدرعات والمهندسين وغيرها.
وكان ذلك أحد أسباب نجاح تنفيذ هذا التوجيه، ولذلك ستظل مصر دائمًا فخورة بأبنائها ورجالها من أبناء القوات المسلحة الذين حققوا هذا النصر العظيم فى العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر 1973.