شواكيش
التسول الإلكترونى
لم يعد التسول مجرد ظاهرة تقليدية تقتصر على إشارات المرور أو أبواب المساجد والمترو، بل انتقل بخطى متسارعة ليغزو الفضاء الرقمى وشاشات الهواتف الذكية.
> التطور التقنى الهائل وانفتاح وسائط التواصل الاجتماعى أفرز نمطًا إجراميًا مستحدثًا يُعرف بـ «التسول الإلكتروني»؛ وهو استغلال التكنولوجيا الحديثة وعواطف المتعاطفين لجمع الأموال بطرق غير مشروعة، محولًا شاشات التفاعل الاجتماعى إلى أرصفة افتراضية لمد اليد واستعطاف المتابعين.
> يعتمد المتسول الإلكترونى على استراتيجيات نفسية وإعلانية ماهرة لإثارة شفقة المستخدمين، مستغلًا رغبة الكثيرين فى فعل الخير. وتتعدد أشكال هذه الظاهرة فى المجتمع المصري، ومن أبرزها فبركة الحالات الإنسانية: كنشر صور ومستندات طبية وهمية أو قديمة للزعم بوجود مرض خطير يتطلب تكاليف علاج باهظة، أو ادعاء تراكم ديون وتهديد بالسجن. وكذلك استخدام خاصية البث المباشر على منصات مثل «تيك توك»، والدخول فى ما يُعرف بـ «جولات التحدي» حيث تُستغل عواطف الجمهور لتحقيق أرباح مادية طائلة عبر الهدايا الرقمية التى تتحول لاحقًا إلى أموال حقيقية.
> ومن أساليب التسول الإلكترونى أيضًا: استخدام الأطفال وذوى الإعاقة؛ أى توظيف أفراد الأسرة والأطفال فى مشاهد درامية مبكية عبر مقاطع قصيرة لاستدرار عطف المتابعين وحثهم على التحويل عبر المحافظ الإلكترونية.
> شهدت المحاكم المصرية والأجهزة الأمنية فى الآونة الأخيرة العديد من القضايا التى كشفت عن شبكات وأفراد يحترفون هذا النوع من النصب الرقمي، ومنها قضية «سيدة أبوالنمرس»، حيث رصدت الأجهزة الأمنية قيام سيدة باستغلال أفراد أسرتها والصغار فى أعمال التسول الإلكترونى وبث مقاطع فيديو مبتذلة وصور مضللة عبر مواقع التواصل الاجتماعى لاستجداء المتابعين وتحقيق أرباح مالية غير مشروعة، وقد تم ضبطها وبحوزتها الهواتف المحمولة المستخدمة فى الجريمة.
> كما رصدت الأجهزة الأمنية حالات «فواتير العلاج والإيجار الوهمية» عبر منصات التواصل من خلال صفحات تطلب المساعدة العاجلة لسداد إيجارات متأخرة أو شراء أدوية باهظة الثمن، وتبين فى كثير من التحقيقات أن الصور مستعارة وتستهدف النصب المتكرر وتحويل الأموال عبر شبكات المحافظ الإلكترونية دون وجود حالة حقيقية تستحق الدعم.
> تترك ظاهرة التسول الإلكترونى آثارًا مدمرة على النسيج الاجتماعى والاقتصادي، لعل من أبرزها: تشويه العمل الخيرى الحقيقى وفقدان الثقة بين المتبرعين والجهات الخيرية الرسمية والمرخصة، مما يضر بالمحتاجين الحقيقيين الذين تعتمد مؤسسات الدولة والمجتمع المدنى على دعمهم. كما تساهم الأرباح الكبيرة التى يجنيها هؤلاء الأشخاص فى الترويج لثقافة الكسب السهل، مما يُضعف قيمة العمل والاجتهاد المهنى التقليدى لدى الفئات الشبابية.
> تتعامل الجهات المعنية فى مصر بكل حزم مع هذه الجرائم، حيث تخضع لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، إضافة إلى نصوص قانون العقوبات المتعلقة بالنصب واستغلال الأطفال، والتى تصل العقوبات فيها إلى الحبس، والغرامة المالية، ومصادرة الأجهزة المضبوطة، مع تحويل القضايا إلى المحاكم الاقتصادية.
> أخيرًا، التسول الإلكترونى لم يعد مجرد «حيلة ذكية» لجنى المال، بل هو جريمة منظمة تعبث بالقيم الإنسانية وتستغل مشاعر النبل والتعاطف المجتمعي. ومواجهتها لا تقتصر فقط على الأجهزة الأمنية وسن القوانين، بل تتطلب وعيًا مجتمعيًا راسخًا يقضى بعدم توجيه التبرعات إلا للجهات والمؤسسات الموثوقة والمرخصة رسميًا، لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه حقًا.
آخِر شَوْكَشَة
>> نحن نعيش فى زمن اختلطت فيه أوراق «الشجر الأخضر» بأوراق «البنكنوت الأخضر».. وعجبى عليك يا زمن على كل لون يا «باتيستا»!!