هموم وطن
العقليه الفرنسية بين احتلال الماضى واحتجاجات الحاضر
دخلت الاحتجاجات الطلابية في فرنسا أسبوعها الثالث، وسط تصاعد الغضب من نقص المعلمين وتردّي أوضاع المباني المدرسية.
وشهدت البلاد، ، مظاهرات جديدة شارك فيها آلاف من تلاميذ المدارس، فيما أعلن وزير التربية إدوار جيفري، عقب لقائه ممثلين عنهم، إطلاق خطة طارئة لضمان توفير بدائل للمعلمين المتغيبين، ومراجعة الجداول الدراسية المرهقة.
وتجمّع آلاف المتظاهرين في ساحة الباستيل وسط باريس، وقد شهدت بعض المناطق مواجهات بين المحتجين والشرطة التي استخدمت خراطيم المياه لتفريق المتظاهرين وقد ذكرنى موفف الحكومه الفرنسية فى التعامل مع الازمه بما حدث
في العاشر من يونيو عام 1940قررت القيادة الفرنسية إعلان باريس مدينة مفتوحة وسحب القوات منها لتجنيب معالمها التاريخية وسكانها القصف والدمار ، وذلك بعد انهيار خطوط الدفاع أمام تقدم الجيش الألماني ، وفي الوقت نفسه غادرت الحكومة الفرنسية العاصمة متجهة نحو الجنوب ، تاركة المدينة دون إدارة سياسية في لحظة حرجة ، هذا القرار أحدث صدمة واسعة وخوفاً كبيراً بين الأهالي ، ودفع ما تبقى من الجنود للانسحاب المنظم جنوباً بدلاً من خوض معركة غير متكافئة داخل الشوارع.
مع فجر الرابع عشر من يونيو دخلت أولى كتائب الجيش الألماني شوارع باريس من جهتي الشمال والشرق دون أن تواجه أي إطلاق نار أو مقاومة مسلحة ، وقد تفاجأ القادة الألمان أنفسهم بسهولة وسرعة السيطرة على المدينة ومبانيها الرسمية مقارنة بما كانوا يتوقعونه ، وخلال ساعات قليلة ارتفعت الأعلام الألمانية فوق أهم المعالم مثل برج إيفل وقوس النصر ومبنى وزارة البحرية في ساحة الكونكورد ، وبسبب هذه السرعة الخاطفة وجد الباريسيون أنفسهم تحت الاحتلال المباشر قبل أن يستوعبوا حجم الهزيمة التي حلت ببلادهم.
تغيرت ملامح الحياة اليومية في باريس بشكل حاد ، حيث فر أكثر من مليوني شخص نحو القرى والمحافظات الجنوبية ، فهبط عدد سكان العاصمة من قرابة ثلاثة ملايين إلى نحو ثمانمائة ألف نسمة فقط ، وفرضت سلطات الاحتلال التوقيت الألماني بتقديم الساعة ستين دقيقة لربط نظام العمل بتوقيت برلين ، وأقامت مقر قيادتها العسكرية في فندق ماجستيك ومجموعة من الفنادق الكبرى ، كما غُيرت لافتات الشوارع والمستشفيات لتسهيل حركة الجنود ، وفُرض حظر تجول صارم في المساء مع انتشار الدوريات في الميادين لمراقبة الحركة ومنع أي تجمع.
لم يكن انشغال النساء بطلاء أرجلهن لتعويض نقص الجوارب أو بحث الناس عن المشروبات تعبيراً عن اللامبالاة بمصير مدينتهم ، بل كان محاولة غريزية للتعايش مع صدمة الفراغ المفاجئ وشح البضائع ، فالأغلبية المتبقية في المدينة كانت من النساء وكبار السن والأطفال الذين واجهوا نقصاً كبيراً في الغذاء والأقمشة وانقطاعاً في سلاسل الإمداد ، وكان اللجوء إلى هذه التفاصيل البسيطة وسيلة لتخفيف وطأة الرعب والتعامل مع الخوف من المداهمات في ظل غياب المعيل والجيش ، وبذلك أصبحت هذه الممارسات درعاً نفسياً مؤقتاً لحماية أنفسهم من مرارة الهزيمة اليومية ،
وسرعان ما أدركت القيادة الألمانية أهمية إعادة تشغيل المرافق الخدمية لضمان راحة جنودها والحفاظ على الهدوء في شوارع المدينة بأقل كلفة أمنية ، لذلك سمحت بإعادة فتح المقاهي ودور السينما والمسارح وأماكن الترفيه ، لكنها وضعتها تحت رقابة وإشراف عسكري دقيق ، ولم تكن هذه الخطوة بدافع الاهتمام بحياة السكان الثقافية ، بل كانت تهدف إلى تحويل العاصمة إلى منتجع استراحة لجنود الجبهة ومكان لقضاء الإجازات ، وبذلك جرى تسخير البنية التحتية للمدينة لخدمة أهداف الاحتلال وإجبار المجتمع على قبول هذا الواقع كأمر عادي.
هنا تظهر الفجوة الكبيرة في قصة سقوط باريس ، فقد نجت مبانيها وشوارعها العريقة من القصف والدمار ، لكنها تحولت إلى مسرح كامل لإهانة كبرياء شعبها واستعراض قوة المحتل ؛ إن سلامة الحجارة والمعالم التاريخية لم تمنع استلاب حرية أهلها ، بل جعلت من تلك المعالم شاهداً صامتاً على خضوع المدينة لسيطرة السلاح ، وقد أثبت هذا المشهد أن حماية المباني تفقد قيمتها الحقيقية إذا ضاعت كرامة الإنسان وحريته ، وأن نجاة الجدران من الخراب قد تصبح عبئاً ثقيلاً حين تستخدم لترسيخ الضعف والاستسلام.
فهل تشفع المباني التاريخية والعصا الغليظة وقنابل الغاز فى إعادة الهيبه الى الشارع الفرنسي؟