بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الإنسان والاصطناعي وحرب قادمة " 4"


لم يعد الذكاء الاصطناعي خيالاً علمياً طرحته السينما والتلفزيون والأنيمي في أكثر من 200 عمل، بل أصبح حقيقة تعيش بيننا، من مجرد فكرة في أساطير الإغريق ومخطوطات الجزري، إلى قوة تتنافس عليها الدول اليوم في سباق محموم.
وتناولتُ على مدى ثلاث مقالات سابقة الفكرة الأولى تاريخياً لصناعة "الإنسان الآخر" الآلي، ومراحل التطور التي تلت تنفيذ أول إنسان آلي، والوصول إلى برامج الذكاء الاصطناعي التي نافست قدرات الإنسان في بعض الألعاب مثل "الشطرنج" و "الغو"، ومن ثم استخدامه في مهام أخرى أخطر وأكثر خدمية وحيوية تمس حياة البشر، وجاء تناولي لكل هذا سابقاً في ثلاث مقالات مضت، لأصل معكم إلى التساؤلات الأخطر، وهي:
إلى أي مدى يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في حياتنا؟ هل يهدد تطوره بالفعل المهام التي يقوم بها الإنسان وسينافسه في وظائفه البشرية الحالية؟ هل سيحل محله في شتى أوجه الحياة من علم وثقافة وفن وأدب وغيرها؟ وهل يمكن لهذا الذكاء الاصطناعي أن يسيطر بالفعل على الإنسان الذي صنعه ويهدد وجوده بالفناء وسخوض حرب شرسة ضده؟ وإذا كان لهذا العلم الفذ وجه مضيء، فما هو وجهه المظلم؟أسئلة خطيرة، قد تأتي إجابة بعضها صادمة، أو تكرس المخاوف الحقيقية من تنامي مساحات استخدام وانتشار الذكاء الاصطناعي في حياتنا.
وسأحاول تقديم الإجابات على هذه الأسئلة من خلال إلقاء نظرة شاملة على الاستخدامات التي دخل فيها الذكاء الاصطناعي حتى الآن وسنجد أنها مجالات هائلة ودقيقة وعظيمة الفائدة لصانعها البشري، وسأبدأ بمجال الطب الذي اتسعت فيه بشكل مدهش استخدامات الذكاء الاصطناعي والروبوت، حيث أصبح يشخص العديد من الأمراض بدقة من خلال الأشعة، ويقوم حالياً بتحليل صور الأشعة والرنين و"الماموجرام" أسرع وأدق من الطبيب البشري، ويكتشف أنواع السرطانات، كسرطان الرئة والثدي والجلد في مراحله المبكرة جداً.
كما يمكنه اكتشاف فعالية ملايين الأدوية وتأثير مركباتها الكيميائية ونتائج تحاليلها في وقت قياسي لا يتعدى أشهراً، فيما كان يلزم 10 سنوات على الأقل لتنفيذ ذلك والحصول على نفس النتائج، خاصة الأدوية الجديدة كما حدث في لقاحات كورونا وغيرها، كما يحلل الجينات والتاريخ المرضي للمريض ويحدد أنسب علاج مطلوب له، والجرعة المناسبة، ويتوقع هل سيستجيب المريض للدواء أم لا.
ويقوم الذكاء الاصطناعي حالياً بدور المساعد الطبي، فهو يساعد الطبيب في كتابة التقارير، وينبهه إذا كان هناك تعارض بين أدوية يتناولها المريض، ويتابع المرضى المزمنين في البيت، ويمكنه التنبؤ بالأوبئة وباحتمال إصابتهم بالجلطات والأزمات القلبية، أو تدهور حالة مريض في العناية المركزة قبلها بساعات،وفي الجراحات، زادت استخدامات الذكاء الاصطناعي متمثلاً في الإنسان الآلي " الروبوت " .
ويقوم ب والربوت الجراح يكون ذا أذرع روبوتية دقيقة جداً يقوم بعمل الجراحة تحت إشراف بشري، وميزته أنه يُحدث جرحاً أصغر للتعامل مع موطن المرض، ويتسبب في حدوث نزيف أقل خلال الجراحة، وينفذ الجراحة بدقة متناهية في الأداء، ويُستخدم حالياً في عمليات القلب والبروستاتا والأعصاب، كما يوجد الآن روبوتات التمريض والرعاية، حيث يقوم الروبوت بتوزيع الأدوية، ونقل العينات الخاصة بالمرضى إلى معامل التحاليل، وقياس الحرارة، والمساعدة في تعقيم غرف العمليات، وقد تم استخدام الروبوت الممرض كثيراً إبان جائحة كورونا. 
كما توجد روبوتات التأهيل الطبي والعلاج الطبيعي مثل الأطراف الصناعية الذكية التي تتعلم من حركة المريض وتستجيب لحركاته وأوامر دماغه، وروبوتات تساعد مرضى الشلل على المشي مرة أخرى، وأخرى للمسنين وذوي الاحتياجات تساعدهم في البيت، تذكرهم بموعد الدواء، وتتواصل معهم بشكل شبه إنساني لتقلل الشعور بالوحدة، كما يوجد الآن الروبوت الصيدلي، الذي يحضر الأدوية التركيبية بدقة 100% بدون خطأ بشري، ويحضر الأدوية الأخرى للمرضى خاصة أدوية السرطان والجرعات الحساسة.
الخلاصة أن الذكاء الاصطناعي هو عقل الطبيب المساعد، والروبوت هو يد الطبيب الدقيقة، ولا يمكن استبدالهما بالطبيب البشري مئة بالمئة، لكنهما يجعلان التشخيص أسرع والجراحة أدق والعلاج أرخص، ورغم هذه الأمور الهامة والدقيقة طبياً التي أصبح الذكاء الاصطناعي يتولاها ومعه الروبوت، إلا أن الطبيب البشري لا يزال يحتفظ لنفسه بالعديد من المهام الكبرى التي لا يمكن أن يقوم بها سواه، على رأسها الإنسانية والرحمة وهي جوهر الطب، فالروبوت يستطيع أن يشخص ورماً، لكنه لا يستطيع أن يمسك يد مريض يبكي ويقول له "أنا معك". الطبيب البشري هو وحده من يقرأ الخوف في عيون المريض، يربت على كتفه، ويعطيه الأمل، هذه اللمسة الإنسانية هي نصف العلاج، ومستحيل برمجتها، الأمر الثاني هو الحدس الطبي والخبرة المتراكمة للطبيب، فكثير من التشخيصات الصعبة لا تأتي أو تتضح من نتائج التحاليل، بل من إحساس الطبيب الخبير، من خلال نظرات المريض وطريقة كلامه ورائحته، إذ يتشكل لدى الطبيب البشري إحساس إنساني يحذره كجرس إنذار غير مرئي يقول له إن "هناك شيئاً ما خطأ"، هذا الحدس يأتي من خبرات أطباء بلغت 20 سنة مارسوا خلالها الطب مع آلاف المرضى، وهو ما لا يمكن لخوارزمية أن تتعلمه أبداً.
يضاف إلى ذلك احتفاظ الطبيب البشري وحده باتخاذ القرار الأخلاقي فيما يتعلق بالمرضى، فمثلاً عندما يكون مريض في حالة حرجة وعلى الطبيب أن يختار بين إنقاذ الأم أو الجنين، أو بين إخبار مريض بالحقيقة كاملة بمرضه أو التخفيف عنه، فهذه قرارات أخلاقية ودينية وإنسانية معقدة، لا يمكن تركها لآلة باردة أن تحسمها، حيث يتواصل الطبيب بشكل مباشر مع المريض ويطمئنه ويطرح أمامه كل الخيارات. 
كما لا يمكن للروبوت مثلاً أن يشرح لأم أن طفلها مريض، أو أن يقنع مريضاً خائفاً بإجراء عملية، أو يتعامل مع مريض يرفض العلاج، فكل هذه الأمور سالفة الذكر تتطلب ما يتمتع به البشر من فن الكلام، وفن الإقناع والاحتواء والمشاعر الإنسانية.
إذاً هناك مجالات في الطب يستحيل أن يحل فيها الروبوت والذكاء الاصطناعي محل الطبيب، يضاف إلى ذلك أن الطبيب البشري هو الذي يمكنه القيام بدور المعالج النفسي والعصبي مثل علاج الاكتئاب والقلق والصدمات، فالمريض يحتاج هنا إنساناً يسمعه بقلبه، لا روبوتاً يحلل كلماته. 
كذلك في مجال طب الأطفال حيث لا يمكن للطفل أن يشتكي ويشرح ما لديه من ألم، هنا الطبيب يفهم بكاءه ونظراته ويلعب معه حتى يسمح له بالكشف، كما أن الطب التلطيفي وأعني به رعاية الطبيب لمريض في نهاية حياته، فهو أمر لا يمكن أن يقوم به إلا الطبيب البشري من مرافقة المريض في أيامه الأخيرة، ودعمه هو وأسرته، وهو عمل روحي إنساني بحت. ولا يفوتني أيضاً أن أذكر أن الطبيب البشري هو الذي يتمتع وحده بالتعامل مع حالات الطوارئ المعقدة، فعلى سبيل المثال إذا كان هناك حادث كبير أو كارثة، الطبيب البشري يتصرف بسرعة، ويرتجل، ويبدع بحلول غير موجودة في الكتب، وهو ما لا يتمكن الروبوت من فعله مهما أوتي من ذكاء اصطناعي.
وأنتهي في التميز البشري على الاصطناعي فيما يتعلق بالعلاقة المستمرة مع المريض المزمن، مثال مريض السكر والضغط والقلب، والذي على الطبيب أن يتابعه على مدى سنوات طويلة من عمر المريض قد تصل لـ 20 سنة، وهنا يصبح الطبيب وكأنه فرد من العائلة، يتعامل نفسياً مع المريض وليس فسيولوجياً فقط، وهذه الثقة لا يمكن أن تُبنى مع آلة، وهو ما يجعل البشر دائما لهم الغلبة واليد العليا في مجال الطب حتى الان.!
أما في مجال التعليم..فاللحديث بقية 
فكرية أحمد