فكر الرئيس..و جولة الشراكة الاستراتيجية
يحسب للرئيس السيسى فكره و وعيه و قدرتة على اختيار الدول التى يسعى لعمل شراكة استراتيجية معها،من أجل بناء أقتصاد مصرى قوى،قادر على مواجهة تحديات العصر .
أتصور أن جولة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا تُعد واحدة من أهم الجولات الخارجية التي قام بها الرئيس، ليس فقط بالنظر إلى المكانة الاقتصادية للدول الثلاث، وإنما لما تحمله هذه الجولة من فرص حقيقية أمام الاقتصاد المصري، في مرحلة تحتاج فيها مصر إلى شراكات استراتيجية تتجاوز حدود التجارة التقليدية إلى آفاق التصنيع ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات البشرية.
نحن أمام ثلاث دول آسيوية تمتلك تجارب اقتصادية وصناعية تستحق الدراسة، وإن اختلفت طبيعة التجربة التنموية لكل منها. فكوريا الجنوبية واحدة من النمور الآسيوية الأربعة التي استطاعت تحقيق نهضة صناعية وتكنولوجية لافتة، بينما تمتلك ماليزيا وإندونيسيا تجارب تنموية وإمكانات اقتصادية كبيرة جعلتهما من الاقتصادات الآسيوية الصاعدة ذات الثقل الإقليمي. ومن هنا تأتي أهمية الانفتاح المصري على هذه التجارب، ليس بهدف استيراد منتجاتها فحسب، وإنما للاستفادة من خبراتها في بناء اقتصاد منتج، يمتلك أدوات التطور، ويستطيع أن يخلق فرص عمل جديدة، ويعزز قدرته على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.
الفارق بين جولة تبحث عن اتفاقات تجارية وجولة تستهدف بناء مستقبل اقتصادي جديد هو أن الأولى قد تحقق مكاسب آنية، بينما تضع الثانية أساسًا لمكاسب ممتدة تستطيع الأجيال القادمة أن تجني ثمارها. وهذا ما أتصور أن مصر تستهدفه من خلال تحركاتها نحو هذه الدول، خاصة عندما يتعلق الأمر بتوطين الصناعات، ونقل التكنولوجيا، وتأهيل الكوادر المصرية، والاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى شركاء يمتلكون تجارب ناجحة في هذه المجالات.
إن توطين الصناعة لا يعني مجرد إنشاء مصانع على أرض مصر، وإنما يعني أن تصبح لدينا معرفة حقيقية بالتكنولوجيا المستخدمة، وقدرة على تطويرها، وعمالة مدربة تستطيع التعامل مع أحدث أساليب الإنتاج، وكوادر مصرية قادرة على قيادة هذه المنظومة مستقبلًا. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لأي شراكة استراتيجية؛ فهي لا تنقل إلينا منتجًا جاهزًا فقط، بل تمنحنا فرصة امتلاك المعرفة التي تمكننا من إنتاجه وتطويره وتصديره.
وتزداد أهمية هذه الفرصة عندما نضع في الاعتبار ما تمتلكه مصر من مقومات جغرافية وبشرية، وما تتمتع به من موقع استراتيجي يربط بين قارات العالم، إلى جانب اتفاقياتها التجارية مع العديد من الأسواق. فمصر تستطيع أن تتحول إلى مركز صناعي وإنتاجي يخدم المنطقة، وبوابة تنطلق
من خلالها منتجات الشركات الآسيوية إلى أسواق أوسع
ولعل ما يستحق التوقف أمامه أيضًا هو ما تعكسه الزيارات من تقدير لمكانة مصر و قائدها الرئيس السيسى، ودوره التاريخي في المنطقة، وما تحمله العلاقات مع هذه الدول من فرص للتعاون في القضايا الاقتصادية والتنموية، إلى جانب الملفات السياسية والدولية. فمصر ليست مجرد سوق استهلاكية كبيرة، وإنما دولة ذات ثقل إقليمي، وتاريخ ممتد، وموقع استراتيجي يمنحها أهمية خاصة في حسابات الشراكات الدولية.
كما أن الترحيب الذي يبديه قادة الدول الثلاث بزيارة الرئيس السيسي يعكس أهمية العلاقات المصرية الآسيوية، ويؤكد وجود أرضية يمكن البناء عليها لتطوير التعاون المشترك. ولا شك أن التواصل المباشر بين القادة يفتح أبوابًا جديدة أمام الاتفاقات، ويمنح رسائل إيجابية لمجتمع الأعمال والمستثمرين،
وأتصور أن الدول الثلاث تدرك أن مصر تمثل شريكًا مهمًا في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، وأن التعاون معها يمكن أن يحقق مصالح متبادلة. فالمعادلة ليست أن تستفيد مصر وحدها، وإنما أن تجد الشركات الآسيوية في مصر فرصة للتوسع والإنتاج والوصول إلى أسواق جديدة، بينما تستفيد مصر من رؤوس الأموال والخبرات والتكنولوجيا، وتخلق قيمة مضافة داخل اقتصادها الوطني.
إن أهمية جولة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا لا تُقاس فقط بما قد ينتج عنها من اتفاقات، وإنما بما يمكن أن تؤسسه من مسار جديد للتعاون الاقتصادي، يضع الصناعة والمعرفة والإنسان في قلب العلاقة بين مصر وشركائها الآسيويين.
إن مصر لا تبحث عن مصانع تنتج على أرضها فحسب، وإنما عن صناعة مصرية متقدمة، وعن عمالة وطنية تقود المستقبل، وعن اقتصاد يستطيع أن يحول موقع البلاد وإمكاناتها إلى قوة إنتاج وتصدير. وإذا نجحنا في تحقيق ذلك، فإن هذه الجولة لن تكون مجرد محطة في سجل العلاقات الخارجية، بل خطوة على طريق بناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو، وأكثر استعدادًا للمنافسة، وأوسع أفقًا أمام الأجيال القادمة.